أما تفصيل المذاهب فيه ونقل الأقاويل المختلفة في تفهيمه فقد آثرت الاعراض عنه لقلة
فائدته ، فمن عرف ما ذكرناه لم يخف عليه غور ما سواه ومن طلب الحق من أقاويل الناس
دار رأسه وحار عقله ، وقد استقصيت ذلك في تهذيب الأصول .
الطرف الثاني في بيان التدريج في منازل هذه الأقيسة من أعلاها إلى أدناها وأدناها
الطرد الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس ، وأعلاها ما في معنى الأصل الذي ينبغي أن
يقربه كل منكر للقياس ، وبيانه أن القياس أربعة أنواع : المؤثر ، ثم المناسب ، ثم الشبه ، ثم
الطرد ، والمؤثر يعرف كونه مؤثرا بنص أو إجماع أو سبر حاصر ، وأعلاها المؤثر ، وهو ما ظهر
تأثيره في الحكم ، أي الذي عرف إضافة الحكم إليه وجعله مناطا وهو باعتبار النظر إلى عين
العلة وجنسها ، وعين الحكم وجنسه أربعة ، لأنه إما أن يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم أو
تأثير عينه في جنس ذلك الحكم ، أو تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم أو تأثير جنسه في عين
ذلك الحكم ، فإن ظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم فهو الذي يقال له أنه في معنى الأصل
وهو المقطوع به الذي ربما يعترف به منكرو القياس ، إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد
المحل ، فإنه إذا ظهر أن عين السكر أثر في تحريم عين الشرب في الخمر ، والنبيذ ملحق به
قطعا ، وإذا ظهر أن علة الربا في التمر الطعم فالزبيب ملحق به قطعا ، إذ لا يبقى إلا اختلاف
عدد الاشخاص التي هي مجازي المعنى ، ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة
على الأعرابي ، إذ يكون الهندي والتركي في معناه . الثاني في المرتبة : أن يظهر تأثير عينه في
جنس ذلك الحكم لا في عينه ، كتأثير أخوة الأب والام في التقديم في الميراث ، فيقاس عليه
ولاية النكاح ، فإن الولاية ليس هي عين الميراث ، لكن بينهما مجانسة في الحقيقة ، فإن هذا
حق ، وذلك حق ، فهذا دون الأول : لان المفارقة بين جنس وجنس غير بعيد بخلاف المفارقة
بين محل ومحل لا يفترقان أصلا فيما يتوهم أن له مدخلا في التأثير . الثالث في المرتبة : أن
يؤثر جنسه في عين ذلك الحكم ، كإسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلا بالجرح
والمشقة ، فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة ، كتأثير مشقة السفر في إسقاط
قضاء الركعتين الساقطتين بالقصر ، وهذا هو الذي خصصناه باسم الملائم ، وخصصنا اسم
المؤثر بما ظهر تأثير عينه . الرابع في المرتبة : ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم وهو
الذي سميناه المناسب الغريب ، لان الجنس الأعم للمعاني كونها مصلحة والمناسب
مصلحة ، وقد ظهر أثر المصالح في الاحكام ، إذ عهد من الشرع الالتفات إلى المصالح ،
فلأجل هذا الاستمداد العام من ملاحظة الشرع جنس المصالح اقتضى ظهور المناسبة
تحريك الظن . ولأجل شمة من الالتفات إلى عادة الشرع أيضا أفاد الشبه الظن لأنه عبارة عن
أنواع من الصفات عهد من الشرع ضبط الاحكام بجنسها ، ككون الصيام فرضا في مسألة
التبييت ، وككون الطهارة تعبدا موجبها في غير محل موجبها ، وكون الواجب بدل الجناية على
الآدمي في مسألة ضرب القليل على العاقلة ، بخلاف بناء القنطرة على الماء وأمثاله من
الصفات ، فإن الشرع لم يلتفت إلى جنسه ، والمألوف من عادة الشرع هو الذي يعرف مقاصد
الشرع ، والعادة تارة تثبت في جنس وتارة تثبت في عين ، ثم للجنسية أيضا مراتب بعضها
المستصفى — صفحة 320
مساهمون: الغزالي
ص٣٢٠