محل موجبها ، فتفتقر إلى النية كالتيمم ، وهذا يوهم الاجتماع في مناسب هو مأخذ النية وإن
يطلع على ذلك المناسب . المثال الثالث : تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر لكونهما مطعومين
أو قوتين ، فإن ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق ، إذ يعلم أن الربا
ثبت لسر ومصلحة ، والطعم والقوت وصف ينبئ عن معنى به قوام النفس ، والأغلب على
الظن أن تلك المصلحة في ضمنهما لا في ضمن الكيل الذي هو عبارة عن تقدير الأجسام .
المثال الرابع : تعليلنا وجوب الضمان في يد السوم بأنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق
ونعديه إلى يد العارية ، وتعليل أبي حنيفة بأنه أخذ على جهة
الشراء ، والمأخوذ على جهة الشراء كالمأخوذ على حقيقته ويعديه إلى الرهن ، فكل واحدة من العلتين ليست مناسبة ولا
مؤثرة ، إذ لم يظهر بالنص أو الاجماع إضافة الحكم إلى هذين الوصفين في غير يد السوم وهو
في يد السوم متنازع فيه . المثال الخامس : قولنا إن قليل أرش الجناية يضرب على العاقلة
لأنه بدل الجناية على الآدمي كالكثير ، فإنا نقول : ثبت ضرب الدية وضرب أرش اليد
والأطراف ، ونحن لا نعرف معنى مناسبا يوجب الضرب على العاقلة ، فإنه على خلاف
المناسب ، لكن يظن أن ضابط الحكم الذي تميز به عن الأموال هو أنه بدل الجناية على
الآدمي فهو مظنة المصلحة التي غابت عنا . المثال السادس : قولنا في مسألة التبييت : أنه
صوم مفروض ، فافتقر إلى التبييت كالقضاء ، وهم يقولون : صوم عين فلا يفتقر إلى التبييت
كالتطوع ، وكأن الشرع رخص في التطوع ومنع من القضاء فظهر لنا أن فاصل الحكم هو
الفرضية ، فهذا وأمثاله مما يكثر شبهه ربما ينقدح لبعض المنكرين للشبه ، في بعض هذه
الأمثلة إثبات العلة بتأثير أو مناسبة ، أو بالتعرض للفارق وإسقاط أثره ، فيقول : هي مأخذ الذي
الذي ظهر لهذا الناظر ، وعند انتفائه يبقى ما ذكرناه من الايهام ، وهو كتقديرنا في تمثيل المناسب
بإسكار الخمر عدم ورود الايماء في قوله تعالى : * ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة
والبغضاء ) * ( المائدة : 19 ) والمقصود أن المثال ليس مقصودا في نفسه ، فإن انقدح في بعض
الصور معنى زائد على الايهام المذكور فليقدر انتفاؤه ، هذا حقيقة الشبه وأمثلته . وأما إقامة
الدليل على صحته فهو : أن الدليل إما أن يطلب من المناظر أو يطلبه المجتهد من نفسه ،
والأصل هو المجتهد ، وهذا الجنس مما يغلب على ظن بعض المجتهدين ، وما من مجتهد
يمارس النظر في مأخذ الاحكام إلا ويجد ذلك من نفسه ، فمن أثر ذلك في نفسه حتى غلب
ذلك على ظنه فهو كالمناسب ، ولم يكلف إلا غلبة الظن ، فهو صحيح في حقه ، ومن لم يغلب
ذلك على ظنه فليس له الحكم به ، وليس معنا دليل قاطع يبطل الاعتماد على هذا الظن بعد
حصوله بخلاف الطرد على ما ذكرناه ، أما المناظر فلا يمكنه إقامة الدليل على على الخصم
المنكر فإنه إن خرج إلى طريق السبر والتقسيم كان ذلك طريقا مستقلا لو ساعد مثله في
الطرد لكان دليلا ، وإذا لم يسبر فطريقه أن يقول : هذا يوهم الاجتماع في مأخذ الحكم
ويغلب على الظن ، والخصم يجاحد ، إما معاندا جاحدا وإما صادقا من حيث أنه لا يوهم عنده
ولا يغلب على ظنه ، وإن غلب على ظن خصمه ، والمجتهدون الذين أفضى بهم النظر إلى أن
هذا الجنس مما يغلب على الظن لا ينبغي أن يصطلحوا في المناظرة على فتح باب المطالبة
المستصفى — صفحة 318
مساهمون: الغزالي
ص٣١٨