تنخنس بمجرد وازع الدين فافتقر إلى كفارة زاجرة ، بخلاف داعية الاكل ، وهذه ظنون تختلف
بالإضافة إلى المجتهدين ، وهل يسمى إلحاق الاكل ههنا بالجماع قياسا ؟ اختلفوا فيه فقال
أصحاب أبي حنيفة : لا قياس في الكفارات ، وهذا استدلال وليس بقياس ، بل هو استدلال
على تجريد مناط الحكم وحذف الحشو منه ، ولفظة القياس اصطلاح للفقهاء ، فيختلف
إطلاقها بحسب اختلافهم في الاصطلاح ، فلست أرى الاطناب في تصحيح ذلك أو إفساده
لان أكثر تدوار النظر لا فيه على اللفظ ، وعلى الجملة فلا يظن بالظاهر في المنكر للقياس إنكار
المعلوم ، والمقطوع به من هذه الالحاقات ، لكن لعله ينكر المظنون منه ويقول : ما علم قطعا
أنه لا مدخل له في التأثير ، فه كاختلاف الزمان والمكان والسواد والبياض والطوال والقصر
فيجب حذفه عن درجة الاعتبار . أما ما يحتمل فلا يجوز حذفه بالظن ، وإذا بان لنا إجماع
الصحابة أنهم عملوا بالظن كان ذلك دليلا على نزول الظن منزلة العلم في وجوب العمل ،
لان المسائل التي اختلفوا فيها واجتهدوا ، كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة
وغيرها من المسائل ظنية وليست قطعية ، وعلى الجملة : فلالحاق المسكوت عنه بالمنطوق
طريقان متباينان : أحدهما : أن لا يتعرض إلا للفارق وسقوط أثره فيقول : لا فارق إلا كذا
وهذه مقدمة ، ثم يقول : ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير ، وهذه مقدمة أخرى ، فيلزم منه نتيجة
وهو أنه لا فرق في الحكم ، وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل ، كقرب
الأمة من العبد ، لأنه لا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع . الطريق
الثاني : أن يتعرض للجامع ويقصد نحوه ، ولا يلتفت إلى الفوارق وإن كثرت ، ويظهر تأثير
الجامع في الحكم فيقول : العلة في الأصل كذا ، وهي موجودة في الفرع ، فيجب الاجتماع في
الحكم ، وهذا هو الذي يسمى قياسا بالاتفاق . أما الأول : ففي تسميته قياسا خلاف لان
القياس ما قصد به الجمع بين شيئين ، وذلك قصد فيه نفي الفرق ، فحصل الاجتماع بالقصد
الثاني لا بالقصد الأول ، فلم يكن على صورة المقايسة بالإضافة إلى القصد الأول والطريق الأول
الذي هو التعرض للفارق ونفيه ينتظم حيث لم تعرف علة الحكم ، بل ينتظم في حكم لا يعلل
وينتظم حيث عرف أنه معلل ، لكن لم تتعين العلة ، فإنا نقول : الزبيب في معنى التمر في الربا قبل
أن يتعين عندنا علة الربا أنه الطعم أو الكيل أو القوت ، وينتظم حيث ظهر أصل العلة وتعين
أيضا ولكن لم تتلخص بعد أوصافه ولم تتحرر بعد قيوده وحدوده . أما الطريق الثاني وهو
الجمع فلا يمكن إلا بعد تعين العلة وتلخيصها بحدها وقيودها وبيان تحقيق وجودها
بكمالها في الفرع ، وكل واحد من الطريقين ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون ، فإذا تمهدت
هذه المقدمات فيرجع إلى المقصود وهو بيان إثبات العلة في الطريق الثاني الذي هو القياس
بالاتفاق ، وهو رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما ، وهذا القياس يحتاج إلى إثبات
مقدمتين : إحداهما : مثلا أن علة تحريم الخمر الاسكار . والثانية : أن الاسكار موجود في
النبيذ ، أما الثانية فيجوز أن تثبت بالحس ودليل العقل والعرب وبدليل الشرع وسائر أنواع
الأدلة ، أما الأولى فلا تثبت إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع ، أو نوع استدلال
مستنبط ، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي ، كما أن نفس التحريم كذلك وطريقه
المستصفى — صفحة 307
مساهمون: الغزالي
ص٣٠٧