أن يحرم الخمر لشدة الخمر خاصة ، ويفرق بين شدة الخمر وشدة النبيذ . وأما في جانب
الفعل فمن تناول العسل لحلاوته ولفراغ معدته وصدق شهوته لا يفرق بين عسل وعسل ، نعم
لا يلزمه أن يأكل مرة بعد أخرى لزوال الشهوة وامتلاء المعدة واختلاف الحال ، فما ثبت
للشئ ثبت لمثله ، كان ذلك في ترك أو فعل لكن المثل المطلق لا يتصور إذا الاثنينية شرط
المثلية ، ومن شرط الاثنينية مغايرة ومخالفة ، وإذا جاءت المخالفة بطلت المماثلة ، وهذا له
غور وليس هذا موضع بيانه . هذا تمام النظر في إثبات أصل القياس على منكريه .
الباب الثاني في طريق إثبات علة الأصل وكيفية إقامة الدلالة على صحة
آحاد الأقيسة
وننبه في صدر الكتاب على مثارات الاحتمال في كل قياس ، إذ لا حاجة إلى الدليل
إلا في محل الاحتمال ، ثم على انحصار الدليل في الأدلة السمعية ، ثم على انقسام الأدلة
السمعية إلى ظنية وقطعية ، فهذه ثلاث مقدمات .
المقدمة الأولى في مواضع الاحتمال من كل قياس وهي ستة : الأول : يجوز أن لا
يكون الأصل معلولا عند الله تعالى ، فيكون القائس قد علل ما ليس بمعلل . الثاني : أنه إن
كان معللا فلعله لم يصب ما هو العلة عند الله تعالى ، بل علله بعلة أخرى . الثالث : أنه إن
أصاب في أصل التعليل وفي عين العلة فلعله قصر على وصفين أو ثلاثة ، وهو معلل به مع
قرينة أخرى زائدة على ما قصر اعتباره عليه . الرابع : أن يكون قد جمع إلى العلة وصفا ليس
مناطا للحكم فزاد على الواحد . الخامس : أن يصيب في أصل العلة وتعيينها وضبطها لكن
يخطئ في وجودها في الفرع ، فيظنها موجودة بجميع قيودها وقرائنها ولا تكون كذلك .
السادس : أن يكون قد استدل على تصحيح العلة بما ليس بدليل ، وعند ذلك لا يحل له
القياس وإن أصاب العلة ، كما لو أصاب بمجرد الوهم والحدس من غير دليل ، وكما لو ظن
القبلة في جهة من غير اجتهاد فصلى ، فإنه لا تصح الصلاة ، وزاد آخرون احتمالا سابعا وهو
الخطأ في أصل القياس ، إذا يحتمل أن يكون أصل القياس في الشرع باطلا ، وهذا خطأ لان
صحة القياس ليس مظنونا بل هو مقطوع به ، ولو تطرق إليه احتمال التطرق إلى جميع
القطعيات من التوحيد والنبوة وغيرهما والمثارات الستة لاحتمال الخطأ : إنما تستقيم على
مذهب من يقول المصيب واحد وفي موضع يقدر نصب الله تعالى أدلة قاطعة يتصور أن
يحيط بها الناظر . أما من قال : كل مجتهد مصيب ، فليس في الأصل وصف معين هو العلة
عند الله تعالى حتى يخطئ أصلها أو وصفها ، بل العلة عند الله تعالى في حق كل مجتهد ما
ظنه علة فلا يتصور الخطأ ، ولكنه على الجملة يحتاج إلى إقامة الدليل في هذه وإن كانت
أدلة ظنية .
المقدمة الثانية إن هذه الأدلة لا تكون إلا سمعية ، بل لا مجال للنظر العقلي في هذه
المثارات إلا في تحقيق وجود علة الأصل في الفرع ، فإن العلة إذا كانت محسوسة كالسكر
والطعم والطوف في السؤر ، فوجود ذلك في النبيذ والأرز والفأرة قد يعلم بالحس وبالأدلة
المستصفى — صفحة 304
مساهمون: الغزالي
ص٣٠٤