الثانية : قولهم النفي الأصلي معلوم ، والاستثناء عنه بالنص معلوم فيبقى المسكوت
عنه على النفي الأصلي المعلوم ، فكيف يندفع المعلوم : على القطع بالقياس المظنون ؟ قلنا :
العموم والظواهر وخبر الواحد وقول المقوم في أروش الجنايات والنفقات وجزاء الصيد
وصدق الشهود وصدق المخالف في مجلس الحكم ، كل ذلك مظنون ، ويرفع به النفي
الأصلي ، ثم نقول : نحن لا نرفع ذلك إلا بقاطع ، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة وظننا
فنقطع بوجود الظن ، ونقطع بوجود الحكم عند الظن فلا يرفع ذلك إلا بقاطع .
الثالثة : قولهم كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد ، والفرق بين
المتماثلات والجمع بين المتفرقات ، إذ قال يغسل الثوب من بول
الصبية ويرش من بول الصبي ، ويجب الغسل من المني والحيض ، ولا يجب من البول والمذي ، وفرق في حق
الحائض بين قضاء الصلاة والصوم ، وأباح النظر إلى الرقيقة دون الحرة ، وجمع بين
المختلفات فأوجب جزاء الصيد على من قتله عمدا أو خطأ ، وفرق في حلق الشعر والتطيب
بين العمد والخطأ ، وأوجب الكفارة بالظهار ، والقتل واليمين والافطار ، وأوجب القتل على
الزاني والكافر والقاتل وتارك الصلاة ، وقال لأبي بردة : تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد
بعدك في الأضحية . وقيل للنبي عليه السلام : * ( خالصة لك من دون المؤمنين ) *
( الأحزاب : 50 ) وكيف يتحاسر في شرع هذا منهاجه على إلحاق المسكوت بالمنطوق ، وما
من نص على محل إلا ويمكن أن يكون ذلك تحكما وتعبدا ؟ قلنا : لا ننكر اشتمال الشرع
على تحكمات وتعبدات ، فلا جرم نقول : الاحكام ثلاثة أقسام : قسم لا يعلل أصلا ، وقسم
يعلم كونه معللا ، كالحجر على الصبي ، فإنه لضعف عقله ، وقسم يتردد فيه ، ونحن لا نقيس ما
لم يقم لنا دليل على كون الحكم معللا ، ودليل على عين العلة المستنبطة ، ودليل على وجود
العلة في الفرع ، وعند ذلك يندفع الاشكال المذكور ، ولما كثرت التعبدات في العبادات لم
يرتضى قياس غير التكبير والتسليم والفاتحة عليها ، ولا قياس غير المنصوص في الزكاة على
المنصوص ، وإنما نقيس في المعاملات وغرامات الجنايات ، وما علم بقرائن كثيرة بناؤها على
معان معقولة ومصالح دنيوية .
الرابعة : قولهم إن النبي عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم ، فكيف يليق به أن يترك
الوجيز المفهم ، ويعدل إلى الطويل الموهم ، فيعدل عن قوله : حرمت الربا في كل مطعوم أو كل
مكيل إلى عد الأشياء الستة ليرتبك الخلق في ظلمات الجهل ؟ قلنا : ولو ذكر الأشياء الستة
وذكر معها أن ما عداها لا ربا فيه وأن القياس حرام فيه ، لكان ذلك أصرح ، وللجهل والاختلاف
أدفع ، فلم لم يصرح وقد كان قادرا ببلاغته على قطع الاحتمال للألفاظ العامة والظواهر
وعلى أن يبين الجميع في القرآن المتواتر ، ليحسم الاحتمال عن المتن والسند جميعا ، وكان
قادرا على رفع احتمال التشبيه في صفات الله تعالى بالتصريح بالحق في جميع ما وقع
الخلاف فيه في العقليات ، وإذا لم يفعل فلا سبيل إلى التحكم على الله ورسوله فيما صرح
ونبه وطول وأوجز ، والله أعلم بأسرار ذلك كله ، ثم نقول : إن علم الله تعالى لطفا وسرا في
تعبد العلماء بالاجتهاد وأمرهم بالتشمير عن ساق الجد في استنباط أسرار الشرع فيتعين عليه
المستصفى — صفحة 298
مساهمون: الغزالي
ص٢٩٨