أعم من زيد ، وزيد أخص من الصديق ، لان المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر ، أما إذا
جعل الصديق مبتدأ فقال : صديقي زيد ، فلو كان له صديق آخر كان المبتدأ أعم من الخبر
والخبر أخص ، وكان كقوله : اللون سواد ، والحيوان إنسان ، وذلك ممتنع ، وإن كان عكسه جائزا .
، فإن قيل : يجوز أن يقول : صديقي زيد وعمرو أيضا ، والولاء لمن أعتق ولمن كاتب ، ولمن باع
بشرط العتق ، ولو كان للحصر لكان هذا نقضا له ، قلنا : هو للحصر بشرط أن لا يقترن به قبل
الفراغ من الكلام ما يغيره ، كما أن العشرة لمعناها بشرط أن لا يتصل بها الاستثناء ، وقوله :
* ( اقتلوا المشركين ) * ( التوبة : 5 ) ظاهر في الجميع بشرط أن لا يقول : إلا زيدا .
السابعة : مد الحكم إلى غاية بصيغة إلى وحتى ، كقوله تعالى : * ( ( 2 ) ولا تقربوهن
حتى يطهرن ) * ( البقرة : 222 ) * ( فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) * ( البقرة : 032 )
وقوله تعالى : * ( حتى يعطوا الجزية عن يد ) * ( التوبة : 9 ) وقد أصر على إنكار هذا أصحاب
أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم وقالوا : هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد
الغاية ، فيبقى على ما كان قبل النطق ، وأقر القاضي بهذا ، لان قوله تعالى : * ( حتى تنكح زوجا
غيره ) * و * ( حتى يطهرن ) * ليس كلاما مستقلا ، فإن لم يتعلق
بقوله : * ( ولا تقربوهن ) * وقوله : * ( فلا تحل له ) * فيكون لغوا من الكلام ، وإنما صح لما فيه
من إضمار ، وهو قوله : حتى يطهرن فاقربوهن ، وحتى تنكح فتحل ، ولهذا يقبح الاستفهام إذا
قال : لا تعط زيدا حتى يقوم ، ولو قال : أعطه ، إذا قام فلا يحسن ، إذ معناه ، أعطه إذا قام ،
ولان الغاية نهاية ، ونهاية الشئ مقطعة ، فإن لم يكن مقطع فلا يكون نهاية ، فإنه إذا قال :
اضربه حتى يتوب ، فلا يحسن معه أن يقول : وهل أضربه ، وإن تاب ، وهذا وإن كان له ظهور
ما ولكن لا ينفك عن نظر ، إذ يحتمل أن يقال : كل ماله ابتداء ، فغايته مقطع لبدايته فيرجع
الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية ، فيكون الاثبات مقصورا أو ممدودا إلى الغاية
المذكورة ، ويكون ما بعد الغاية كما قبل البداية ، فإذا هذه الرتبة أضعف في الدلالة على النفي
مما قبلها .
الرتبة الثامنة : لا عالم في البلد إلا زيد ، وهذا قد أنكره غلاة منكري المفهوم وقالوا :
هذا نطق بالمستثنى عنه ، وسكوت عن المستثنى ، فما خرج بقوله إلا فمعناه أنه لم يدخل
في الكلام ، فصار الكلام مقصورا على الباقي ، وهذا ظاهر البطلان ، لان هذا صريح في النفي
والاثبات ، فمن قال : لا إله إلا الله ، لم يقتصر على النفي ، بل أثبت لله تعالى الألوهية ونفاها
عن غيره ، ومن قال : لا عالم إلا زيد ، ولا فتى إلا علي ، ولا سيف إلا ذو الفقار ، فقد نفى
وأثبت قطعا وليس كذلك ، قوله : لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر
بالبر إلا سواء بسواء هذا صيغة الشرط ، ومقتضاها نفي المنفى عند انتفاء الشرط ، فليس منطوقا
به ، بل تفسد الصلاة مع الطهارة لسبب آخر ، وكذلك : النكاح مع الولي والبيع مع المساواة ،
وهذا على وفق قاعدة المفهوم ، فإن إثبات الحكم عند ثبوت وصف لا يدل على إبطاله عند
انتفائه ، بل يبقى على ما كان قبل النطق ، وكذلك نفيه عند انتفاء شئ لا يدل على إثباته عند
ثبوت ذلك الشئ ، بل يبقى على ما كان قبل النطق ، وكذلك نفيه عند انتقاء شئ لا يدل على
المستصفى — صفحة 272
مساهمون: الغزالي
ص٢٧٢