يقتضيه الأصل ، وكيف ونحن نجوز تعليل الحكم بعلتين ، فلو كان إيجاب القتل بالردة نافيا
للقتل عند انتفائها لكان إيجاب القصاص نسخا لذلك النفي ، بل فائدة ذكر العلة معرفة
الرابطة فقط ، وليس من فائدته أيضا تعدية العلة من محلها إلى غير محلها ، فإن ذلك عرف
بورود التعبد بالقياس ، ولولاه لكان قوله : حرمت عليكم الخمر لشدتها لا يوجب تحريم
النبيذ المشتد بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة إلى أن يرد دليل ، وتعبد باتباع العلة
وترك الالتفات إلى المحل .
المسلك التاسع : استدلالهم بتخصيصات في الكتاب والسنة خالف الموصوف فيها
غير الموصوف بتلك الصفات ، وسبيل الجواب عن جميعها إما لبقائها على الأصل أو معرفتها
بدليل آخر أو بقرينة ، ولو دل ما ذكروه لدلت تخصيصات في الكتاب والسنة لا أثر لها على
نقيضه ، كقوله تعالى : * ( ومن قتله منكم متعمدا ) * ( المائدة : 59 ) في جزاء الصيد إذ يجب
على الخاطئ ، وقوله تعالى : * ( ( 4 ) ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) * ( النساء : 29 ) إذ
تجب على العامد عند الشافعي رحمه الله ، وقوله : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من
الصلاة إن خفتم ) * ( النساء : 101 ) الآية ، وقوله في الخلع : * ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا
حكما من أهله وحكما من أهلها ) * ( النساء : 53 ) وقوله عليه السلام : أيما امرأة نكحت
بغير إذن وليها إلى أمثال له لا تحصى .
القول في درجات دليل الخطاب
اعلم أن توهم النفي من الاثبات على مراتب ودرجات ، وهي ثمانية :
الأولى : وهي أبعدها ، وقد أقر ببطلانها كل محصل من القائلين بالمفهوم وهو مفهوم
اللقب ، كتخصيص الأشياء الستة في الربا .
الثانية : الاسم المشتق الدال على جنس ، كقوله : لا تبيعوا الطعام بالطعام وهذا
أيضا يظهر إلحاقه باللقب ، لان الطعام لقب لجنسه ، وإن كان مشتقا مما يطعم ، إذ لا تدرك
تفرقة بين قوله : في الغنم زكاة وفي الماشية زكاة ، وإن كانت الماشية مشتقة مثلا . الثالثة :
تخصيص الأوصاف التي تطرأ وتزول ، كقوله : الثيب أحق بنفسها والسائمة تجب فيها الزكاة ،
فلأجل أن السوم يطرأ ويزول ربما يتقاضى الذهن طلب سبب التخصيص ، وإذا لم يجد حمله على انتفاء
الحكم ، وهو أيضا ضعيف ومنشؤه الجهل بمعرفة الباعث على التخصيص .
الرابعة : أن يذكر الاسم العام ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدراك والبيان
، كما لو قال : في الغنم السائمة زكاة ، وكقوله : من باع نخلة مؤبرة فثمرها للبائع واقتلوا
المشركين الحربيين ، فإنه ذكر الغنم والنخلة والمشركين ، وهي عامة ، فلو كان الحكم يعمها
لما أنشأ بعده استدراكا ، لكن الصحيح أن مجرد هذا التخصيص من غير قرينة لا مفهوم له
فيرجع حاصل الكلام إلى طلب سبب الاستدراك ، ويجوز أن يكون له سبب سوى اختصاص
الحكم لم نعرفه ، ووجه التفاوت بين هذه الصور أن تخصيص اللقب يمكن حمله على أنه
لم يحضره ذكر المسكوت عنه ، ولذلك ذكر الأشياء الستة ، فهذا احتمال وهو الغفلة عن غير