مسألة ( لا يقتضي العطف العموم ) ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران بالعام والعطف عليه ، وهو غلط ، إذ
المختلفات قد تجمع العرب بينهما ، فيجوز أن يعطف الواجب على الندب ، والعام على
الخاص ، فقوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ) * ( البقرة : 822 ) عام ، وقوله بعد :
* ( وبعولتهن أحق بردهن ) * ( البقرة : 822 ) في ذلك خاص وقوله تعالى : * ( كلوا من ثمره )
* ( الانعام : 141 ) إباحة ، وقوله بعده : * ( وآتوا حقه يوم حصاده ) * ( الانعام : 141 ) إيجاب ،
وقوله تعالى : * ( فكاتبوهم ) * ( النور : 33 ) استحباب ، وقوله : * ( ( 24 ) وآتوهم من مال الله الذي
آتاكم ) * ( النور : 33 ) إيجاب .
- مسألة ( هل في المشترك عموم ؟ ) الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا ، خلافا للقاضي
والشافعي ، لان المشترك لم يوضع للجمع ، مثاله : القرء للطهر والحيض ، والجارية للسفينة
والأمة ، والمشتري للكوكب السعد وقابل البيع ، والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعا يستعمل
في مسمياتها إلا على سبيل البدل ، أما على سبيل الجمع فلا ، نعم : نسبة المشترك إلى
مسمياته متشابهة ، ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة ، لكن تشابه نسبة كل واحد من
آحاد العموم على الجمع ، ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على البدل ، وتشابه نسبة
المفهوم في السكوت عن الجمع لا في الدلالة ، وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على
كل وجه ، إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي عليه السلام أمكن أن تكون فرضا ونفلا
وأداء وقضاء ، وظهرا وعصرا ، والامكان شامل بالإضافة إلى علمنا ، أما الواقع في نفسه وفي
علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره ، فهذه أنواع التشابه ، والوهم سابق إلى التسوية
بين المتشابهات ، وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه ، فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن
العموم كان دليلا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات والتشابه ههنا موجود فيثبت حكم العموم
وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه ، وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجمع
بخلاف هذه الأنواع ، احتج القاضي بأنه لو ذكر اللفظ مرتين ، وأراد في كل مرة معنى آخر
جاز ، فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ، ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل ؟
بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعا ، فإن لفظ
المؤمنين لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك فنقول : إن قصد باللفظ الدلالة على
المعنيين جميعا بالمرة الواحدة فهذا ممكن ، لكن يكون قد خالف الوضع كما في لفظ
المؤمنين فإن العرب وضعت اسم العين للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل لا على
سبيل الجمع ، فإن قيل : اللفظ الذي هو حقيقة في شئ مجاز في غيره ، هل يطلق لإرادة
معنييه جميعا مثل النكاح للوطئ والعقد واللمس للجس وللوطئ حتى يحمل قوله : * ( ولا
تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) * ( النساء : 22 ) على وطئ الأب وعقده جميعا ، وقوله
تعالى : * ( أو لامستم النساء ) * ( النساء : 34 ) على الوطئ والمس جميعا ؟ قلنا :
هذا عندنا كاللفظ المشترك ، وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا ، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله
أنه قال : أحمل آية اللمس على المس والوطئ جميعا ، وإنما قلنا : إن هذا أقرب ، لان المس
مقدمة الوطئ ، والنكاح أيضا يراد للوطئ ، فهو مقدمته ، ولاجله أستعير للعقد اسم النكاح الذي
المستصفى — صفحة 240
مساهمون: الغزالي
ص٢٤٠