في بذل المال والقرينة تشهد للخصوص واللفظ يشهد للعموم ويتعارض ما يورث الشك
فيحسن الاستفهام .
بيان الطريق المختار عندنا في إثبات العموم أعلم أن هذ النظر لا يختص بلغة
العرب ، بل هو جار في جميع اللغات ، لان صيغ العموم محتاج إليها في جميع اللغات ، فيبعد
أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق ، فلا يضعونها مع الحاجة إليها ، ويدل على وضعها توجه
الاعتراض على من عصى الامر العام ، وسقوط الاعتراض عمن أطاع ، ولزوم النقض والخلف
عن الخبر العام ، وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة ، فهذه أمور أربعة تدل على
الغرض ، وبيانها : أن السيد إذا قال لعبده : من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا ،
فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه ، فإن عاتبه في إعطائه واحدا من الداخلين
مثلا وقال : لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير ، وإنما أردت الطوال أو هو أسود ، وإنما
أردت البيض فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض ، بل بإعطاء من دخل ،
وهذا داخل ، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها أو اعتراض السيد ساقطا وعذر
العبد متوجها ، وقالوا للسيد : أنت أمرته بإعطاء من دخل وهذا قد دخل ولو أنه أعطى الجميع
إلا واحدا فعاتبه السيد وقال : لم لم تعطه ؟ فقال العبد : لان هذا طويل أو أبيض ، وكان لفظك
عاما فقلت : لعلك أردت القصار أو السود ، استوجب التأديب بهذا الكلام ، وقيل له : مالك
وللنظر إلى الطول واللون ، وقد أمرت بإعطاء الداخل ، فهذا معنى سقوط الاعتراض عن
المطيع وتوجهه على العاصي ، وأما النقض على الخبر فإذا قال ما رأيت اليوم أحدا وكان قد
رأى جماعة كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا ، فإن أردت أحدا غير تلك الجماعة كان مستنكرا ،
وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم ، ولذلك قال الله تعالى :
* ( إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى
للناس ) * ( الانعام : 19 ) وإنما أورد هذا نقضا على كلامهم ، فإن لم يكن عاما فلم ورد
النقض عليهم ؟ فإن هم أرادوا غير موسى فلم لزم دخول موسى تحت اسم البشر ، وأما
الاستحلال بالعموم ، فإذا قال الرجل : أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيبه ، جاز لمن سمعه أن
يزوج من أي عبيده شاء ، ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة ، وإذا قال العبيد الذين
هم في يدي ملك فلان ، كان ذلك إقرارا محكوما به في الجميع وبناء الاحكام على أمثال
هذه العمومات في سائر اللغات لا ينحصر ، ولا خلاف في أنه لو قال : أنفق على عبدي غانم
أو على زوجتي زينب ، أو قال : غانم حر ، وزينب طالق ، وله عبدان اسمهما غانم ، وزوجتان
اسمهما زينب ، فتجب المراجعة والاستفهام ، لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم ، فإن كان لفظ
العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن
دخل الدار ، وينبغي أن يراجع في الباقي ، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها ،
فإن قيل : إن سلم لكم ما ذكرتموه فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ ، فإن عرى عن
القرائن فلا يسلم ، قلنا : كل قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها أو يبقى حكم الاعتراض
والنقض كما سبق ، فإن غايتهم أن يقولوا : إذا قال : أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي ، وكان
المستصفى — صفحة 231
مساهمون: الغزالي
ص٢٣١