للافساد ونقل ذلك عن النبي عليه السلام صريحا لكان ذلك من جهة الشرع تصرفا في اللغة
بالتغيير ، أو كان النهي من جهته منصوبا علامة على الفساد ، ويجب قبول ذلك ولكن
الشأن في إثبات هذه الحجة ونقلها ،
وشبههم الشرعية أربع : الشبهة الأولى : قولهم إن المنهي عنه قبيح ومعصية ، فكيف
يكون مشروعا ؟ قلنا : إن أردتم بالمشروع كونه مأمورا به أو مباحا أو مندوبا فذلك محال ، ولسنا
نقول به ، وإن عنيتم به كونه منصوبا علامة للملك أو الحال أو حكم من الاحكام ففيه وقع
النزاع ، فلم ادعيتم استحالته ولم يستحل أن يحرم الاستيلاد وينصب سببا لملك الجارية
ويحرم الطلاق وينصب سببا للفراق ، بل لا يستحيل أن ينهي عن الصلاة في الدار المغصوبة
وتنصب سببا لبراءة الذمة وسقوط الفرض . الشبهة الثانية : قولهم إن النهي لا يرد من
الشارع في البيع والنكاح إلا لبيان خروجه عن كونه مملكا أو مشروعا ، قلنا : في هذا وقع
النزاع الدليل عليه ، وكم من بيع ونكاح ونهي عنه وبقي سببا للإفادة ، فما هذا التحكم ؟
الشبهة الثالثة : قوله عليه السلام : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ، ومن أدخل في ديننا ما ليس
منه فهو رد قلنا : معنى قوله : رد ، أي غير مقبول طاعة وقربة ولا شك في أن المجرم لا
يقع طاعة . أما أن لا يكون سببا للحكم فلا ، فإن الاستيلاد والطلاق وذبح شاة الغير ليس عليه
أمرنا ، ثم ليس برد بهذا المعنى . الشبهة الرابعة : قولهم أجمع سلف الأمة على الاستدلال
بالمناهي على الفساد ففهموا فساد الربا من قوله : * ( وذروا ما بقي من الربا ) * ( البقرة : 122 )
واحتج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله : * ( ولا تنكحوا المشركات
حتى يؤمن ) * ( البقرة : 322 ) وفي نكاح المحارم بالنهي ، قلنا : هذا يصح من بعض الأمة أما
من جميع الأمة فلا يصح ، ولا حجة في قول البعض ، نعم : يتمسك به في التحريم والمنع أما
في الافساد فلا .
- مسألة ( الفرق بين الفساد والبطلان ) الذين اتفقوا على أن النهي عن التصرفات لا يدل على فسادها ، اختلفوا في أنه
هل يدل على صحتها ؟ فنقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنه يدل على الصحة ،
وأنه يستدل بالنهي عن صوم يوم النحر على انعقاده ، فإنه لو استحال انعقاده لما نهي عنه فإن
المحال لا ينهي عنه ، كما لا يؤمر ، فلا يقال للأعمى : لا تبصر ، كما لا يقال له : أبصر
فزعموا أن النهي عن الزنا يدل على انعقاده ، وهذا فاسد ، لأنا بينا أن الامر بمجرده لا يدل على
الاجزاء والصحة ، فكيف يدل عليه النهي ؟ بل الأمر والنهي يدل على اقتضاء الفعل واقتضاء
الترك فقط ، أو على الوجوب والتحريم فقط ، أما حصول الاجزاء والفائدة أو نفيهما فيحتاج إلى
دليل آخر ، واللفظ من حيث اللغة غير موضوع لهذه القضايا بالشرعية ، وأما من حيث الشرع
فلو قال الشارع : إذا نهيتكم عن أمر أردت به صحته لتلقيناه منه ، ولكنه لم يثبت ذلك
صريحا لا بالتواتر ولا بنقل الآحاد ، وليس من ضرورة المأمور أن يكون صحيحا مجزئا
فكيف يكون من ضرورة المنهي ذلك ، فإذا لم يثبت ذلك شرعا ولغة وضرورة بمقتضى اللفظ
فالمصير إليه تحكم ، بل الاستدلال به على فساده أقرب من الاستدلال به على صحته ، فإن
قيل : المحال لا ينهي عنه ، لان الامر كما يقتضي مأمورا يمكن امتثاله ، فالنهي يقتضي منهيا
المستصفى — صفحة 222
مساهمون: الغزالي
ص٢٢٢