ثواب من عزم على واجب . وإذا قال السيد لعبده : صم غدا ، فهو أمر في الحال يصوم في
الغد ، لا أنه أمر في الغد . وإذا قال له : أوجبت عليك بشرط بقائك وقدرتك ، فهو موجب في
الحال ، لكن إيجابا بشرط ، فهكذا ينبغي أن تفهم حقيقة هذه المسألة ، وكذلك إذا قال لوكيله :
بع داري غدا ، فهو موكل وآمر في الحال ، والوكيل مأمور ، ووكيل في الحال ، حتى يعقل أن
يعزل قبل مجئ الغد ، فإذا قال الوكيل وكلني ثم عزلني ، وأمرني ثم منعني ، كان صادقا ،
فلو مات قبل مجئ الغد لا يتبين أنه كان كاذبا ، وقد حققنا هذا في مسألة نسخ الامر قبل
التمكن من الامتثال ، وفي نسخ الذبح عن إبراهيم عليه السلام ، ولهذا فرق الفقهاء بين أن
يقول : إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي ، وبين أن يقول : وكلتك ببيع داري لكن تبيعها عند
رأس الشهر ، فإن الأول تعليق ، ومن منع تعليق الوكالة ربما جوز تنجيز الوكالة مع تأخير
التنفيذ إلى رأس الشهر . المسلك الرابع : إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان ،
أعني أول يوم مثلا ، ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الامر
فالموت مجوز ، فيصير الامر مشكوكا فيه ، ولا يلزمه الشروع بالشك ، فإن قيل ، لأنه إن بقي كان واجبا ، والظاهر بقاؤه
والحاصل في الحال يستصحب ، والاستصحاب أصل تبنى عليه الأمور ، كما أن من أقبل عليه
سبع يهرب ، وإن كان يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه ، لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه ، ولأنه
لو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال الأوامر المضيقة أوقاتها كالصوم ، فإنه إنما يعلم تمام
التمكن بعد انقضاء اليوم ويكون قد فات ، قلنا : هذا يلزمكم في الصوم ، ومذهبكم هو الذي
يفضي إلى هذا المحال ، وما يفضي إلى المحال فهو محال ، وأما الهرب من السبع فحزم وأخذ
بأسوأ الأحوال ، ويكفي فيه الاحتمال البعيد ، فإن من شك في سبع على الطريق أو سارق
فيحسن منه الحزم والاحتراز ، أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال ، وينبغي أن يقال : من
أعرض عن الصوم ، ومات قبل الغروب لم يكن عاصيا ، لأنه أخذ بالاحتمال الآخر ، وهو احتمال
الموت ، فليكن معذورا به . فإن زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب ، وظن
الوجوب اقتضى تحقق الوجوب من الشرع جزما قطعا فهذا تعسف وتناقض . المسلك
الخامس : أن الاجماع منعقد على أن من حبس المصلي في أول الوقت وقيده ومنعه من
الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة ، فإن كان التكليف يندفع به فقد أحسن
إليه إذ منع التكليف عنه فلم عصي ، وهذا فيه نظر ، لأنه عصي ، لان التصرف في الغير بضبطه
ومنعه حرام ، وإن منعه غير مباح أيضا ، ولان منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته وهو على
خطر من فواته ، أو يحرم لأنه أخرجه عن أن يكلفه ، وفي التكليف مصلحة وقد فوتها عليه ،
بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ ودخل وقت الصلاة عصى ، ولم
يكن على الصبي أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط .
شبه المعتزلة
الأولى : قولهم : إثبات الامر بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشئ مشروطا بما يوجد
بعده ، والشرط ينبغي أن يقارن أو يتقدم أما تأخير الشرط عن المشروط فمحال ، قلنا : ليس
هذا شرطا لوجود ذات الامر ، وقيامه بذات الآمر بل الامر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط
المستصفى — صفحة 219
مساهمون: الغزالي
ص٢١٩