وجه إلا التوقف ، نعم : يجوز الاستدلال به على بطلان قول من يقول أنه منهي عنه محرم ، لأنه
ضد الوجوب والندب جميعا .
الشبهة الثانية : التمسك بقوله عليه السلام : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ،
وإذا نهيتكم عن شئ فانتهوا ففوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا ، وجزم في النهي طلب
الانتهاء ، قلنا ، هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة ، والوضع ليس للندب واستدلال بالشرع ، ولا
يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته ، كيف ولا دلالة له إذ لم يقل فافعلوا ما شئتم ،
بل قال : ما استطعتم ، كما قال : فاتقوا الله ما استطعتم وكل إيجاب
مشروط بالاستطاعة ، وأما قوله : فانتهوا ، كيف دل على وجوب الانتهاء ،
وقوله : فانتهوا صيغة أمر ، وهو محتمل للندب .
شبه الصائرين إلى أنه للوجوب وجميع ما ذكرناه في إبطال مذهب الندب جار هاهنا
وزيادة ، وهو أن الندب داخل تحت الامر حقيقة كما قدمناه ، ولو حمل على الوجوب لكان مجازا
في الندب ، وكيف يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته ، إذ حقيقة الامر ما يكون ممتثله مطيعا ،
والممتثل مطيع بفعل الندب ، ولذلك إذا قيل : أمرنا بكذا حسن أن يستفهم ، فيقال : أمر
إيجاب أو أمر استحباب وندب ، ولو قال : رأيت أسدا لم يحسن أن يقال : أردت سبعا
أو شجاعا ، لأنه موضوع للسبع ، ويصرف إلى الشجاع بقرينة ، وشبههم سبع :
الأولى : قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعا يفهم وجوب المأمور به حتى
لا يستبعد الذم والعقاب عند المخالفة ، ولا الوصف بالعصيان ، وهم اسم ذم ، ولذلك فهمت
الأمة وجوب الصلاة والعبادات ، ووجوب السجود لآدم بقوله اسجدوا ، [ البقرة : 34 ،
الأعراف : 11 ، الاسراء : 61 ، ، الكهف : 50 ، طه : 116 ، ] وبه يفهم العبد والولد وجوب أمر
السيد والوالد ، قلنا : هذا كله نفس الدعوى وحكاية المذهب ، وليس شئ من ذلك مسلما ،
وكل ذلك علم بالقرائن ، فقد تكون للآمر عادة مع المأمور ، وعهد وتقترن به أحوال وأسباب ، بها
يفهم الشاهد الوجوب ، واسم العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة
الوجوب ، لكن قد يطلق لا على وجه الذم ، كما يقال : أشرت عليك فعصيتني وخالفتني .
الشبهة الثانية : أن الايجاب من المهمات في المحاورات ، فإن لم يكن قولهم : إفعل
عبارة عنه فلا يبقى له اسم ، ومحال إهمال العرب ذلك ، قلنا : هذا يقابله أن الندب أمر مهم
فليكن إفعل عبارة عنه ، فإن زعموا أن دلالته قولهم ندبت وأرشدت ورغبت ، فدلالة
الوجوب قولهم : أوجبت وحتمت وفرضت وألزمت ، فإن زعموا أنه صيغة إخبار أو صيغة
إرشاد فأين صيغة الانشاء عورضوا بمثله في الندب ، ثم يبطل عليهم بالبيع والإجارة
والنكاح ، إذ ليس لها إلا صيغة الاخبار ، كقولهم : بعت وزوجت ، وقد جعله الشرع إنشاء إذ
ليس لانشائه لفظ .
الشبهة الثالثة : أن قوله : افعل إما أن يفيد المنع أو التخيير أو الدعاء ، فإذا بطل
التخيير والمنع تعين الدعاء والايجاب ، قلنا : بل يبقى قسم رابع وهو أن لا يفيد واحدا من
المستصفى — صفحة 208
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٨