بأنه ينبغي أن يوجد ، وقوله : لا تفعل ، يدل على ترجيح جانب الترك على جانب الفعل ، وأنه
ينبغي أن لا يوجد ، وقوله : أبحت لك ، فإن شئت فافعل ، وإن شئت فلا تفعل يرفع الترجيح .
المقام الثاني : في ترجيح بعض ما ينبغي أن يوجد ، فإن الواجب والمندوب كل واحد
منهما ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه ، وكذا ما أرشد إليه ، إلا أن الارشاد يدل على
أنه ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه لمصلحة العبد في الدنيا ، والندب لمصلحته في
الآخرة ، والوجوب لنجاته في الآخرة ، هذا إذا فرض من الشارع ، وفي حق السيد إذا قال لعبده
إفعل ، أيضا يتصور ذلك مع زيادة أمر ، وهو أن يكون لغرض السيد فقط ، كقوله : اسقني
عند العطش ، وهو غير متصور في حق الله تعالى : فإن الله غني عن العالمين ، ومن جاهد فإنما
يجاهد لنفسه ، وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب ، وقال قوم :
هو للندب ، وقال قوم : يتوقف فيه ، ثم منهم من قال : هو مشترك ، كلفظ العين ، ومنهم من قال : لا ندري أيضا أنه
مشترك ، أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا ، والمختار أنه متوقف فيه ، والدليل
القاطع فيه أن كونه موضوعا لواحد من الأقسام ، لا يخلو إما أن يعرف عن عقل أو نقل ، ونظر
العقل إما ضروري أو نظري ، ولا مجال للعقل في اللغات ، والنقل إما متواتر أو آحاد ولا
حجة في الآحاد ، والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام : فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند
وضعهم أنهم صرحوا بأنا وضعناه لكذا ، أو أقروا به بعد الوضع ، وإما أن ينقل عن الشارع
الاخبار عن أهل اللغة بذلك ، أو تصديق من ادعى ذلك ، وإما أن ينقل عن أهل الاجماع ، وإما
أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل ، فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه
تصحيح النقل ودعوى شئ من ذلك في قوله : إفعل ، أو في قوله : أمرتك بكذا ، وقول
الصحابي : أمرنا بكذا لا يمكن ، فوجب التوقف فيه ، وكذلك قصر دلالة الامر على الفور أو
التراخي وعلى التكرار أو الاتحاد يعرف بمثل هذه الطريق ، وكذلك التوقف في صيغة العموم
عمن توقف فيها هذا مستنده ، وعليه ثلاثة أسئلة بها يتم الدليل ، ونذكر شبه المخالفين :
السؤال الأول : قولهم إن هذا ينقلب عليكم في إخراج الإباحة والتهديد من مقتضى
اللفظ ، مع أنه لا يدل عليه عقل ولا نقل ، فإنه لم ينقل عن العرب صريحا بأنا ما وضعنا هذه
الصيغة للإباحة والتهديد ، لكن استعملناها فيهما على سبيل التجوز ، قلنا : ما يعرف باستقراء
اللغة وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يعرف بالنقل الصريح ، ونحن كما عرفنا أن الأسد
وضع لسبع ، والحمار وضع لبهيمة ، وإن كان كل واحد منهما يستعمل في الشجاع والبليد ، فيتميز
عندنا بتواتر الاستعمال الحقيقة من المجاز ، فكذلك يتميز صيغة الأمر والنهي والتخيير تميز
صيغة الماضي والمستقبل والحال ، ولسنا نشك فيه أصلا ، وليس كذلك تميز الوجوب عن
الندب .
السؤال الثاني : قولهم إن هذا ينقلب عليكم في الوقف ، فإن الوقف في هذه الصيغة
غير منقول عن العرب ، فلم توقفتم بالتحكم ؟ قلنا : لسنا نقول : التوقف مذهب ، لكنهم أطلقوا
هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب أخرى ، ولم يوقفونا على أنه موضوع لأحدهما دون الثاني ،
المستصفى — صفحة 206
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٦