فالبنت الرقيقة والكافرة لا ترث شيئا ؟ فيقول : ما خطر ببالي هذا ، وإنما أردت غير الرقيقة
والكافرة ، ويقول الأب ، إذا انفرد يرث المال أجمع ، فيقال : والأب الكافر أو الرقيق لا يرث .
فيقول : إنما خطر ببالي الأب غير الرقيق والكافر ، فهذا من كلام العرب ، وإذا أراد السبعة
بالعشرة فليس من كلام العرب ، فإذا اعتقد العموم قطعا فذلك لجهله ، بل ينبغي أن يعتقد أنه
ظاهر في العموم محتمل للخصوص ، وعليه الحكم بالعموم إن خلي والظاهر ، وينتظر أن ينبه
على الخصوص أيضا .
الرابعة : أنه إن جاز تأخير البيان إلى مدة مخصوصة طويلة كانت أو قصيرة فهو تحكم ،
وإن جاز إلى غير نهاية فربما يخترم لنبي ( ص ) قبل البيان ، فيبقى العامل بالعموم في
ورطة الجهل ، متمسكا بعموم ما أريد به الخصوص ؟ قلنا : النبي عليه السلام لا يؤخر البيان
إلا إذا جوز له التأخير ، أو أوجب وعين له وقت البيان وعرف أنه يبقى إلى ذلك الوقت ، فإن
اخترم قبل البيان بسبب من الأسباب فيبقى العبد مكلفا بالعموم عند من يرى العموم ظاهرا
ولا يلزمه حكم ما لم يبلغه ، كما لو اخترم قبل النسخ لما أمر بنسخه ، فإنه يبقى مكلفا به
دائما ، فإن أحالوا اخترامه قبل تبليغ النسخ فيما أنزل عليه النسخ فيه فيستحيل أيضا اخترامه
قبل بيان الخصوص فيما أريد به الخصوص ولا فرق .
- مسألة ( هل يجوز منع التدرج في البيان ؟ ) ذهب بعض المجوزين لتأخير البيان في العموم إلى منع التدريج في البيان
فقالوا : إذا ذكر إخراج شئ من العموم فينبغي أن يذكر جميع ما يخرج وإلا أوهم ذلك
استعمال العموم في الباقي ، وهذا أيضا غلط ، بل من توهم ذلك فهو المخطئ فإنه كما
كان يجوز الخصوص فإنه ينبغي أن يبقى مجوزا له في الباقي ، وإن أخرج البعض ، إذ ليس في
إخراج البعض تصريح بحسم سبيل لشئ آخر ، كيف وقد نزل قوله تعالى : * ( ولله على
الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) * ( آل عمران : 79 ) فسئل النبي عليه السلام عن
الاستطاعة فقال : الزاد والراحلة ولم يتعرض لامن الطريق والسلامة وطلب الخفارة ،
وذلك يجوز أن يتبين بدليل آخر بعده وقال تعالى : * ( والسارق والسارقة ) * ( المائدة : 83 ) ثم
ذكر النصاب بعده ثم ذكر الحرز بعد ذلك ، وكذلك كان يخرج شيئا شيئا من العموم على قدر
وقوع الوقائع ، وكذلك يخرج من قوله : * ( فاقتلوا المشركين ) * ( التوبة : 5 ) أهل الذمة مرة
والعسيف مرة والمرأة مرة أخرى ، وكذلك على التدريج ولا إحالة في شئ من ذلك ، فإن
قيل : فإذا كان كذلك فمتى يجب على المجتهد الحكم بالعموم ولا يزال منتظرا لدليل بعده ؟
قلنا : سيأتي ذلك في كتاب العموم والخصوص إن شاء الله .
- مسألة ( هل يصح تخصيص المتواتر بخبر الآحاد ) لا يشترط أن يكون طريق البيان للمجمل والتخصيص للعموم ، كطريق المجمل
والعموم ، حتى يجوز بيان مجمل القرآن وعمومه ، وما ثبت بالتواتر بخبر الواحد خلافا لأهل
العراق ، فإنهم لم يجوزوا التخصيص في عموم القرآن والمتواتر بخبر الواحد ، وأما المجمل
فيما تعم به البلوى كأوقات الصلاة وكيفيتها وعدد ركعاتها ومقدار واجب الزكاة وجنسها فإنهم
قالوا : لا يجوز أن يبين إلا بطريق قاطع ، وأما ما لا تعم به البلوى كقطع يد السارق وما يجب
على الأئمة من الحد وذكر أحكام المكاتب والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد ، وهذا
المستصفى — صفحة 195
مساهمون: الغزالي
ص١٩٥