لغوا بلا فائدة ، أو لسبب آخر ، وليس في تسليمه تعليل القدرة والآلة بتأتي الامتثال ما يلزمه
تعليل غير به .
الثالث : الاستدلال على جوازه بوقوعه في القرآن والسنة ، قال الله تعالى : * ( فإذا قرأناه
فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) * ( القيامة : 81 ) وثم للتأخير ، وقال تعالى : * ( كتاب
أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) * * ( إن الله يأمركم أن
تذبحوا بقرة ) * وإنما أراد بقرة معينة ، ولم يفصل إلا بعد السؤال ، وقال تعالى :
* ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فان الله خمسة وللرسول ولذي القربى ) * ( الأنفال : 41 )
الآية ، وإنما أراد بذي القربى بني هاشم وبني المطلب دون بني أمية ، وكل من عدا بني
هاشم ، فلما منع بني أمية وبني نوفل وسئل عن ذلك قال : أنا وبنو المطلب لم نفترق في
جاهلية ولا إسلام ، ولم نزل هكذا وشبك بين أصابعه ، وقال في قصة نوح : * ( إنه ليس من
أهلك إنه عمل غير صالح ) * ( هود : 64 ) بين بعد أن توهم أنه من أهله ، وأما السنن فبيان
المراد بقوله : وأقيموا الصلاة بصلاة جبريل في يومين بين الوقتين . وقوله
عليه السلام : ليس في الخضروات صدقة ثم قال بعد ذلك ، ليس فيما دون خمسة أوسق
صدقة وقال : في أربعين شاة شاة وخذوا عني مناسككم كله ورد متأخرا عن قوله :
* ( وآتوا الزكاة ) * ( النساء : 77 ) * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع ) * ( آل
عمران : 79 ) الآية وقال : * ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ) * ( التوبة : 14 ) وهو عام ، ثم ورد
بعده : * ( إذا ) * ( النور : 16 ) وكذلك جميع الأعذار ، وكذلك أمر النكاح
والبيع والإرث ورد أولا أصلها ، ثم بين النبي ( ص ) بالتدريج من يرث ومن لا يرث ومن
يحل نكاحه ومن لا يحل ، وما يصح بيعه وما لا يصح ، وكذلك كل عام ورد في الشرع ، فإنما
ورد دليل خصوصه بعده ، وهذا مسلك لا سبيل إلى إنكاره ، وإن تطرق الاحتمال ، إلى أحد
هذه الاستشهادات بتقدير اقتران البيان ، فلا يتطرق إلى الجميع .
الرابع : أنه يجوز تأخير النسخ بالاتفاق ، بل يجب تأخيره ، لا سيما عند المعتزلة ، فإن
النسخ عندهم بيان لوقت العبادة ، ويجوز أن يرد لفظ يدل على تكرر الافعال على الدوام ثم
ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام ، لكن بشرط أن لا يرد
نسخ ، وهذا أيضا واقع ، فهذه الأدلة واقعة دالة على جواز تأخير البيان عن كل ما يحتاج إلى
البيان ، من عام ومجمل ومجاز وفعل متردد وشرط مطلق غير مقيد ، وهو أيضا دليل على من
جوز في الامر دون الوعيد ، وعلى من قال بعكس ذلك . وللمخالف أربع شبه :
الأولى : قالوا : إن جوزتم خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالزنجية ، فقد ركبتم بعيدا
وتعسفتم ، وإن منعتم فما الفرق بينه وبين مخاطبة العربي بلفظ مجمل لا يفهم معناه ، ولكن
يسمع لفظه ويلزم منه جواز خطابه بلغة هو واضعها وحده إلى أن يبين ، والجواب من
وجهين : أحدهما : وهو الأولى أنهم لم قالوا قوله : * ( وآتوا حقه يوم حصاده ) * ( الانعام :
141 ) كالكلام بلغة لا تفهم مع أنه يفهم أصل الايجاب ويعزم على أدائه وينتظر بيانه وقت
المستصفى — صفحة 193
مساهمون: الغزالي
ص١٩٣