المطلق فذلك في حق شخص نعرف عينه ، ولا يعرف بفسق ، أما من لم نعرف عينه ، فلعله لو
ذكره لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل ، وإنما يكتفي في كل مكلف بتعريف غيره عند
العجز عن معرفة نفسه ، ولا يعلم عجزه ما لم يعرفه بعينه ، وبمثل هذه العلة لم يقبل تعديل
شاهد الفرع مطلقا ، ما لم يعرف الأصل ولم يعينه ، فلعل الحاكم يعرفه بفسق وعداوة ، وغيره
احتجوا باتفاق الصحابة والتابعين على قبول مرسل العدل ، فابن عباس مع كثرة روايته قيل أنه
لم يسمع من رسول الله ( ص ) إلا أربعة أحاديث لصغر سنه ، وصرح بذلك في
حديث الربا في النسيئة وقال : حدثني به أسامة بن زيد وروى أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ، فلما روجع قال : حدثني به أخي الفضل بن
عباس ، وروى ابن عمر عن النبي ( ص ) أنه قال : من صلى على جنازة فله
قيراط ثم أسنده إلى أبي هريرة ، وروى أبو هريرة أن : من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم
له وقال : ما أنا قلتها ورب الكعبة ، ولكن محمدا ( ص ) قالها ، فلما روجع
قال : حدثني به الفضل بن عباس ، وقال البراء بن عازب ما كل ما نحدثكم به سمعناه من
رسول الله ( ص ) ، لكن سمعنا بعضه ، وحدثنا أصحابه ببعضه ، أما التابعون فقد
قال النخعي : إذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو حدثني ، وإذا قلت : قال عبد الله فقد
سمعته من غير واحد ، وكذلك نقل عن جماعة من التابعين قبول المرسل ، والجواب من
وجهين : الأول : أن هذا صحيح ، ويدل على قبول بعضهم المراسيل ، والمسألة في محل
الاجتهاد ، ولا يثبت فيها إجماع أصلا ، وفيه ما يدل على أن الجملة لم يقبلوا المراسيل ولذلك
باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة مع جلالة قدرهم لا لشك في عدالتهم ولكن للكشف
عن الراوي ، فإن قيل : قبل بعضهم وسكت الآخرون فكان إجماعا ، قلنا : لا نسلم ثبوت
الاجماع بسكوتهم ، لا سيما في محل الاجتهاد ، بل لعله سكت مضمرا للانكار ، أو مترددا فيه .
والجواب الثاني : أن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنهم يحدثون عن
الصحابة وكلهم عدول ، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين ، لأنهم يروون عن الصحابة ،
ومنهم من خصص كبار التابعين بقبول مرسله ، والمختار على قياس رد المرسل أن التابعي
والصحابي إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله ، وإن لم
يعرف ذلك فلا يقبل لأنهم قد يروون عن غير الصحابي من الاعراب الذين لا صحبة لهم ،
وإنما ثبتت لنا عدالة أهل الصحبة ، قال الزهري بعد الارسال ، حدثني به رجل على باب
عبد الملك ، وقال عروة بن الزبير فيما أرسله عن بسرة حدثني به بعض الحرس . -
مسألة ( هل يقبل خبر الواحد ؟ ) خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول خلافا للكرخي ، وبعض أصحاب الرأي ،
لان كل ما نقله العدل ، وصدقه فيه ممكن وجب تصديقه ، فمس الذكر مثلا نقله العدل وصدقه
فيه ممكن ، فإنا لا نقطع بكذب ناقله ، بخلاف ما لو انفرد واحد بنقل ما تحيل العادة فيه أن لا
يستفيض ، كقتل أمير في السوق ، وعزل وزير وهجوم واقعة في الجامع منعت الناس من الجمعة ، أو
كخسف أو زلزلة أو انقضاض كوكب عظيم وغيره من العجائب ، فإن الدواعي تتوفر على
إشاعة جميع ذلك ، ويستحيل انكتامه ، وكذلك القرآن لا يقبل فيه خبر الواحد لعلمنا بأنه صلى
المستصفى — صفحة 135
مساهمون: الغزالي
ص١٣٥