شرح
قد عرفت مما حققناه سابقا أن الاطلاق في الوصية وغيرها من العقود إنما يحمل على
الصحيح ، أما النافذ بحيث لا يترتب عليه فسخ بوجه فلا اعتبار به قطعا ، ألا ترى
أن الوصية بجميع المال توصف بالصحة ووقوف ما زاد على الثلث على الإجازة ، ولا
يقول أحد : إنها ليست صحيحة ، ولذلك لو باع بخيار حكم بصحة البيع وإن لم
يكن نافذا بمعين أنه لا يستحق أحد فسخه .
وما مثل به من بيع الشريك النصف وأنه محمول على استحقاقه لا يؤثر هنا ،
للفرق بينه وبين المتنازع ، لأن جميع التركة مستحقة للموصي حال حياته إجماعا فقد
أوصى بما يستحقه ، ومن ثم حكموا بصحة وصيته بما زاد على الثلث وصحة هبته له
وإن توقف على إجازة الورثة ، لأن ذلك لهم كالخيار للبايع بالنسبة إلى ملك المشتري
بل أضعف ، للخلاف في أن الملك هل ينتقل إليه في زمن الخيار أم لا والاتفاق على
أن التركة مملوكة للموصي ما دام حيا ، ومن ثم لزمت الهبة لو برئ من مرضه ، وكانت
الإجازة تنفيذا للوصية لا عطية متجددة على مختار أصحابنا ، وقد ادعى الشيخ في
المبسوط ( 1 ) عليه الاجماع ، وإنما الخلاف في التنفيذ والعطية للعامة ( 2 ) ، وأصحابنا
يجعلون العطية احتمالا مرجوحا لا قولا .
وإذا تقرر أن الاطلاق محمول على الوصية الصحيحة ، وكل وصية من
المذكورات صحيحة ، سواء كانت نافذة أم لا ، لم تدل الوصية المتأخرة عن الوصية
بالثلث على أنها ناسخة للسابقة ورجوع عنها ، بل على إرادة الموصي إعطاء كل واحد
ما أوصى له به وإن توقف ذلك على إجازة الورثة ، فإن ذلك أمر آخر غير الوصية
المعتبرة شرعا .
وقد ظهر بذلك أنه لا تضاد بين قوله : أوصيت لزيد بثلث ولعمرو بثلث ، ولا
بين قوله : لزيد بثلث ولعمرو بربع بطريق أولى . وإنما يقع التضاد صريحا إذا قال بعد
هامش
( 1 ) المبسوط 4 : 10 - 9 .
( 2 ) راجع المهذب ، ضمن المجموع 15 : 410 ، الوجيز 1 : 270 ، جواهر العقود 1 : 447 .