القومي ، والجهاد الديني ، ذلك الجهاد المرير الذي لا يقوى عليه إلّا من امتحن اللّه قلبه بالإيمان ، عندما « أخذ اللّه - جلّ وعلا - على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم » « 1 » ، وهنا الامتحان والمحنة ؛ ليبلوهم أيّهم أحسن عملا .
شاءت الإرادة السماويّة أن تبتلي العرب والمسلمين بنقص في الأنفس ، وما المراد بهذا النقص ؟
أترى المراد من النقص المعنى المتبادر إلى أذهان العامّة وهو الكثرة ؟
ولو كان المراد ذلك لأتى الجمع بصيغة الكثرة ، فيقول : في النفوس ، ولكنّه قال : في الأنفس ، فيظهر أنّ المراد هو ابتلاء العرب والمسلمين بموت من أبلى البلاء الحسن في الجهادين : الديني والقومي ، أو الديني فحسب . وما وجه هذا الابتلاء من اللّه تعالى لنا ؟
ألأنّا لا نطيع ولاة أمرنا ، وولاة أمرنا هم العلماء الذين امتحن اللّه قلوبهم بالإيمان ؟
أم لأنّا غرّتنا الدنيا بزخرفها فتركنا ديننا خلفنا ظهريّا ، فباض الشيطان في قلوبنا وأفرخ ، فسوّلت لنا نفوسنا ما سوّلت ، فابتلانا اللّه بموت أخيارنا لئلّا تشملهم اللعنة التي تنصبّ علينا من السماء ؛ لأنّا لا نأمر بمعروف ، ولا ننهى عن منكر ، وهذا هو الامتحان والمحنة ؛ ليبلونا أيّنا أسرع إلى القيام بالواجب .
ورد في الحديث : « إنّ العالم إذا مات ، ثلم في الإسلام ثلمة » « 2 » ؟
وأيّ عالم ذاك الذي ينهدّ بموته ركن من أركان الدين هذا ؟
العالم الذي لا يحسن من الدين غير الفتوى ؟ أم الذي رشح دم قلبه من لسانه ويراعته في سبيل إنقاذ امّته من خيبة الضلالة ، وناضل بمزبره في سوح الجهاد ، نضال الأبطال للدفاع عن النفس والعرض ، كيما يجعل كوكب امّته يأتلق في سماء الخلود ؟
هامش
( 1 ) - . نهج البلاغة : 30 ، الخطبة 3 .
( 2 ) - . الكافي 38 : 1 ، باب فقد العلماء ، ح 2 - 3 . وفيه : « إذا مات المؤمن الفقيه » بدل « إنّ العالم إذا مات » . وبتفاوت يسير في بحار الأنوار 43 : 2 - 44 ، ح 9 و 12 .