ولم يكن الفقيد إلّا ممّن هم في صلابة تصوّرهم ، وصوابيّة قصدهم ، يؤمنون أنّ الأشياء والواقع يجب أن تكون هكذا مستقيمة بلا عوج ولا استنساب ينعدم فيه شيء من الجوهر الأصيل ، والصراط السويّ النهج .
وهل تستقيم أمور هذه الدنيا لمن يمشي ، أو يحاول أن يملأ بالغبطة قلوب الذين انطووا على أهبة الصراع حقيقة حياة ، وخطّة عمل ، ومنطلق ثورة ؟
لقد دلّ هذا اليوم النضالي المنعم بكبرياء الشعب وإرادته وعناده ، على أنّه حلم عيد في قلوبنا ، نتلفّت إليه كأمل منتشر ، ونلتمس طلّته في الدروب والمفارق ثمّ كان هذا اليوم ، وكان شيئا كبيرا ، كان كبيرا في تحقّقه وعيا ، وفي تجسّده إرادة فاعلة ، وقوى مطوّرة ، ثمّ كان كبيرا أيضا في أنّه سجّل أو كاد النصر لنا - نحن الشعوب - في كلّ الميادين .
ثمّ أذكر فقيدنا أيضا وقد استفاق على جهالة مدلهمّة ، وليس ضحاياها إلّا الأبناء ، وعلى طفولة مضيّعة يعتصرها أسى يتساقط مع حبات الدمع إلى قرار مخيف .
ورأى ثمّة كيف ينكّل المترفون الآثمون في المجتمع .
كيف يحكّمون بالحملان أنياب الذئاب ؟
وكيف يمسخون ترنيمة البلابل ، فيجعلون في لحنها نعيب الغراب ؟
وكيف يحوّلون القراح العذب إلى مرير الشراب ؟
وكيف يصنعون من إنسان المجتمع إنسان الغاب ؟
فسهر على كلّ أولئك المضيّعين بحدب الراعي الكريم ، عين له مع الناس ، وخفقة قلب له مع اللّه ! معهد بعرق تعبه الأقدس جبل ترابه ، ومن فلذ قلبه قدّ حجارته وسوّى لبابه ، ومن مثل اللّه في تبتّل المؤمن طلى سدّته وبابه ، فليشهد الكافرون بنعمة الوطن عليهم ، كيف يشقى الوطني الحقّ ويستعذب عذابه ؟
أيّها السيّد الخالد ، سيرتك وذكراك ستظلّ منتشرة في صحف مطهّرة بأيدي سفرة كرام بررة .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 23
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٢٣