كان يقال في بيوتاتها ، وما كان ينشد في إحيائها بعد أن أكلت بيوتها آثار الفينيقيّين واليونان والرومان والبيزنطيّين وغيرهم ، فخرجنا من المدينة بسقط المتاع تاركين بين أعمدة الرخام والمقابر قصص البحر ، ووهم الأسطورة ، ومعجن الخبز ، وقنديل الكاز ، وأهملنا ضوء القمر مرميّا على بقايا النواويس الحجريّة .
وتغوص بشغف حلقة الانتظار بين يباس الزهر والخضر وانعدام الشجر ، فالأسمنت يحكم المدينة ويلتهم الشوارع والجنائن الصغيرة باسم العمران وحضارة الطوابق .
تهرب من الخارج إلى الداخل ؛ لتنسى ، لتعوّض ، لتتنفّس ، فالانتظار من الداخل له بعد آخر ، ومذاق آخر .
هكذا في دارة الأستاذ حسين شرفالدين ، حيث ندوة السبت من الأمسيّات العامليّة .
تدخل تجلس كما اتّفق على كرسي كنبة ، أو على سجّاد ليأتيك الشاي مثنى وثلاث ، وأنت تطرب للشعر وبوح الخواطر ، فيأخذك الحلم إلى القمح وماء الورد .
وما أجمل أن تكون ندوة في بيت تعرف فيها كلّ الحاضرين من أصدقاء ، طفولة وصبا ، أو تتعرّف على وجوه سمعت عنها ، فهناك زملاء صفّ المدرسة القدامى ، وأساتذة تعلّمت عليهم ، وتلامذة علّمتهم ، وبينك وبينهم زمن الوداد يستعاد على مستوى آخر ، ولكن بحبّ أكبر .
هذا اللقاء الدوري العفوي النظيف يجفلك تسترجع نهرا كنت تظنّ أنّه مرّ في وادي الجفاف ، حضرت تلك الأمسيات العامليّة مرّات عديدة ، ورأيت التربة النائمة على الصخر ما زالت تبهر ويورق فيها برق الوجه الثاني نازعا عنك تهمة التخلّف الملاحقين بها ، عبر عمر طويل بعد أن أصبحت وشما بين العينين .
هذا التواصل الذي افتقدناه طويلا ، أو غيّبناه أمام ضيق العيش والمساحة والظلم المزمن ، والقبضات المعدنيّة .
فالامسيات هذه ردّت شيئا من الانتماء الشامل ، وأسقطت التصنيفات الضيّقة
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 106
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص١٠٦