وقد خرج بالشيب عن حال الشباب فلم يفارق إلا العمر وحده . والبحتري إنما
وجهت قسمته إلى من كانت له الحالتان جميعا من شباب وحياة ، فقال : لا بد أن
يفارق الشباب بالشيب أو العمر بالموت . فأي اعتراض بمن هو على إحدى
الحالتين دون الأخرى ؟
فأما اعتذار الآمدي للبحتري بأن من مات شابا ما فارق العمر وإنما فارق الشباب
وحده من حيث لم يطل عمره ولم يقل فيه معمر . فغلط فاحش ، لأن اسم العمر
يتناول أيام الشباب كما يتناول ما زاد عليها ، ولهذا يقولون في الشاب والصبي لم
يطل عمره أو كان عمره قصيرا ، فاسم العمر يتناول الطويل والقصير من الزمان
حياة أحدنا . وإنما لا يقال في من عاش طرفة عين أن له عمرا ، لأن المتعارف من
استعمال هذه اللفظة فيما تستمر الحياة له ضربا من الاستمرار قصر أو طال .
وليس يجري قولهم عمر ومعمر مجرى قولهم له عمر ، لأن لفظة عمر وما أشبهها
تفيد التطاول ولا تكاد تستعمل إلا في السن ، لأنها تفيد من حيث التشديد التأكيد والزيادة
في العمر ، ولفظة عمر بخلاف ذلك لأنها تستعمل في الطويل والقصير . ونظائر هذا
البيت في معناه يجئ ذكرها عند الانتهاء إلى ما خرجته من شعري في الشيب .
وله من قصيدة :
يعيب الغانيات علي شيبي * ومن لي أن أمتع بالمعيب
ووجدي بالشباب وإن تقضي * حميدا دون وجدي بالمشيب
إنما جعل وجده بالشباب أقل من وجده بالمشيب ، لأنه يفارق الشباب بالشيب
وصاحب الشيب في قيد الحياة على كل ولا يفارق الشيب إلا بالموت ، فالإيثار
لمقامه أقوى .
رسائل الشريف المرتضى — صفحة 163
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٦٣