ولذا فاجأوه بتلك الكلمة ، وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى ،
وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة ، وعدها رزية دليل على بطلان هذا
الجواب .
قال المعتذرون : إن عمر كان موفقا للصواب في إدراك المصالح ، وكان
صاحب إلهام من الله تعالى ، وهذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا ، لأنه يرمي إلى أن
الصواب في هذه الواقعة إنما كان في جانبه لا في جانب النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ، وأن إلهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين
صلى الله عليه وآله وسلم .
وقالوا : بأنه أراد التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إشفاقا عليه
من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض ، وأنت - نصر الله بك
الحق - تعلم بأن في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي ، وبرد فؤاده ، وقرة عينه ،
وأمنه على أمته صلى الله عليه وآله ، من الضلال . على أن الأمر المطاع ،
والإرادة المقدسة ، مع وجوده الشريف إنما هما له ، وقد أراد - بأبي وأمي - إحضار
الدواة والبياض ، وأمر به فليس لأحد أن يرد أمره أو يخالف إرادته * ( وما كان لمؤمن
ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص
الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) * ( 859 ) .
على أن مخالفتهم لأمره في تلك المهمة العظيمة ، ولغوهم ولغطهم
واختلافهم عنده ، كان أثقل عليه وأشق من إملاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من
الضلال ، ومن يشفق عليه من التعب بإملاء الكتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقوله
هجر ؟ !
وقالوا : إن عمر رأى أن ترك إحضار الدواة والورق أولى ، وهذا من أغرب
الغرائب ، وأعجب العجائب ، وكيف يكون ترك احضارهما أولى مع أمر النبي
المراجعات — صفحة 361
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٣٦١