إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه فليناوله لقمة أو لقمتين فإنه ولي حره وعلاجه والمعنى تشوف النفس لما
تشاهده ، وهذا يقطع شهوتها ، والامر في الخبر محمول على الندب طلبا للتواضع ومكارم الأخلاق . ولو أعطى السيد
رقيقه طعاما لم يكن للسيد تبديله بما يقتضي تأخير الاكل بخلاف تبديله بما لا يقتضي ذلك . ( وتسقط ) كفاية الرقيق
( بمضي الزمان ) فلا تصير دينا عليه إلا باقتراض القاضي أو إذنه فيه واقترض كنفقة القريب بجامع وجوبها بالكفاية ،
( وببيع القاضي ) أو يؤخر ( فيها ماله ) ان امتنع أو غاب ، لأنه حق وجب عليه تأديته . وكيفية بيعه أو إيجاره أنه إن
تيسر بيع ماله أو إيجاره شيئا فشيئا بقدر الحاجة فذاك ، وإن لم يتيسر كعقار استدان عليه إلى أن يجتمع ما يسهل البيع
أو الايجار ثم باع أو أجر ما يفي به لما في بيعه أو إيجاره شيئا فشيئا من المشقة ، وعلى هذا يحمل كلام من أطلق أنه يباع بعد
الاستدانة ، فإن لم يمكن بيع بعضه ولا إجارته وتعذرت الاستدانة باع جميعه أو أجره . ( فإن فقد المال ) الذي ينفقه على
رقيقه ، ( أمره ) القاضي ( ببيعه ) أو إجارته ( أو إعتاقه ) دفعا للضرر ، فإن لم يفعل أجره القاضي ، فإن لم يتيسر
إجارته باعه ، فإن لم يشتره أحد أنفق عليه من بيت المال ، فإن لم يكن فيه مال فهو من محاويج المسلمين فعليهم القيام
به . والدفع هنا يكون للسيد كما قاله ابن الرفعة ، لأن النفقة عليه ، وهو المكني عنه بأنه من محاويج المسلمين لا العبد .
قال الأذرعي : وظاهر كلامهم أنه ينفق عليه من بيت المال أو المسلمين مجانا ، وهو ظاهر إن كان السيد فقيرا ومحتاجا
إلى خدمته الضرورية ، وإلا فينبغي أن يكون ذلك فرضا عليه اه .
تنبيه : قد علم مما تقرر أن القاضي إنما يبيعه إذا تعذرت إجارته كما ذكره الجرجاني وصاحب التنبيه ، وإن كان
قضية كلام الروضة وأصلها أن الحاكم مخير بين بيعه وإجارته . وهذا في غير المستولدة ، أما هي فيخليها للكسب ،
أو يؤخرها ، ولا يجبر على عتق بخلافه هنا ، لأنه متمكن من إزالة ملكه فيؤمر بما يزيل الملك ولا ضرر عليه في ذلك
لأنه متمكن من البيع ، ولا كذلك أم الولد . وأيضا هذه ثبت لها حق في العتق وفي غير المبعض ، أما هو فإن كان
بينه وبين سيده مهايأة فالنفقة على صاحب النوبة وإلا فعليهما بحسب الرق والحرية . ( ويجبر أمته ) أي يجوز له إجبارها
( على إرضاع ولدها ) منه أو من غيره ، لأن لبنها ومنافعها له ، بخلاف الزوجة فإن الزوج لا يملك ذلك منها .
تنبيه : لو أراد تسليم ولدها منه إلى غيرها وأرادت إرضاعه لم يجز له منعها لما فيه من التفريق بينهما ، لكن
له ضمه في وقت الاستمتاع إلى غيرها إلى الفراغ . أما إذا كان الولد حرا من غيره أو مملوكا لغيره فله منعها من إرضاعه
ويسترضعها غيره ، لأن إرضاعه على والده أو مالكه كما نقله ابن الرفعة وغيره من الماوردي وأقروه . ( وكذا غيره )
أي غير ولدها يجبرها على إرضاعه أيضا ، ( إن فضل ) لبنها ( عنه ) أي عن ري ولدها : إما لاجتزائه بغيره ، وإما لقلة
شربه ، وإما لغزارة لبنها لما مر ، فإن لم يفضل فلا إجبار ، لقوله تعالى : * ( لا تضار والدة بولدها ) * ، ولان طعامه اللبن
فلا يجوز أن ينقص من كفايته كالقوت . ( و ) يجبرها أيضا على ( فطمه قبل ) مضي ( حولين إن لم يضره ) أي الولد
الفطم ، بأن اكتفى بغير لبنها ولم يضرها أيضا ( و ) يجبرها على ( إرضاعه بعدهما ) أي الحولين ( إن لم يضرها ) ولم
يضره أيضا فليس لها استقلال برضاع ولا فطم ، لأنه لا حق لها في التربية بخلاف الحرة كما قال : ( وللحرة حق في التربية )
وحينئذ ( فليس لأحدهما ) أي الأبوين الحرين ، ( فطمه ) أي الولد ، ( قبل ) مضي ( حولين ) إلا برضى الآخر . لأن
مدة الرضاع لم تتم .
تنبيه : ظاهر كلامهم أنهما لو تنازعا في فطمه أن الداعي إلى تمام الحولين يجاب . قال الأذرعي : يشبه إجابة
من دعا للأصلح للولد ، فقد يكون الفطم مصلحة له لمرض أمه أو حملها ولم يوجد غيرها فظهر تعين الفطام هنا ، وليس
هذا مخالفا لقولهم ، بل إطلاقهم محمول على الغالب . ( ولهما ) فطمه قبل حولين ( إن لم يضره ) الفطم لاتفاقهما وعدم
مغني المحتاج — صفحة 461
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤٦١