وأما أبو بكر فإنه لم يختلف قوله أن جعله أبا ، وهو قول بضعة عشر صحابيا ،
ومذهب أبي حنيفة وبعض الشافعية والحنابلة وهو الأظهر في الدليل . وقال مالك
والشافعي وأحمد بقول زيد ثابت . وأما قول علي ( رضي الله عنه ) في الجد فلم يذهب
إليه الأئمة . فلما أجمع المسلمون على الجد الأعلى أولى من الأعمام كان الجد الأدنى
أولى من الأخوة . ثم القائلون بمشاركة الأخوة للجد لهم أقوال متناقضة . .
ابن مطهر : أهمل أبو بكر حدود الله ، فلم يقتص من خالد بن الوليد حيث قتل
مالك بن نويرة وأشار عمر بقتله فلم يقبل .
ابن تيمية : إن كان ترك قاتل المعصوم - أي معصوم الدم - مما يذكر على الأئمة
كان هذا من أكبر حجج شيعة عثمان على علي . فإن عثمان خير من أمثال مالك بن
نويرة ، وقد قتل مظلوما شهيدا ، وعلي لم يقتص من قتلته ، ولذا امتنع الشاميون من
مبايعته ، فإن عذرتموه فاعذروا أبا بكر فإنا نعذرهما ( 1 ) .
هامش
( 1 ) كلام ابن تيمية لا يخرج عن كونه مجرد تبرير لفعل أبي بكر ، واحتجاجه على ابن المطهر بما حدث
لعثمان كأنه تصريح باتهام الإمام علي أنه وراء مقتل عثمان ولم يقتص من قتلته . وهذا الكلام إنما
هو نابع من اعتقاد أهل السنة بظلم عثمان وموته شهيدا وهو اعتقاد سياسي نابع من النهج الأموي
وليس من الدين في شئ . فلم يكن عثمان سوى طاغية أموي انحرف بالإسلام نحو الجاهلية وأضاع
الحق وأرسى قواعد الظلم والفساد بين الرعية مما أوجب الثورة عليه وقتله .
وفي الوقت الذي يعتقد أهل السنة بأن عثمان من الشهداء المظلومين لا يعتقدون أن الإمام عليا قتل
شهيدا ويساووه على الأقل بعثمان . وهذا برهان قاطع ودليل ساطع على أن التركيز على عثمان
والتعتيم على علي من صنع السياسة أو هو من صنع معاوية وبني أمية . .
وليس من الصعب إثبات أن ما فعله خالد مع مالك بن نويرة إنما هو جريمة يستحق عليه القصاص
وقد طالب بذلك عمر ، لكن من الصعب إثبات أن قتل عثمان جريمة توجب القصاص . فالبون
شاسع بين قتل فرد من الرعية وبين قتل حاكم . فقتل الفرد له دوافع ذاتية ، وقتل الحاكم له دوافع
سياسية ، ومن الجهل المساواة بين الفعلين .
إلا أن ما يعنينا هنا هو أن هذه الحادثة في مراجع أهل السنة وابن تيمية هنا لم ينكرها ، بل إن الثابت
أيضا أن خالد دخل بزوجة مالك بن نويرة وهي في العدة . وأبو بكر بهذا يكون قد عطل حدا من
حدود الله بدافع الحفاظ على خالد أو بمعنى أصح بدافع الحفاظ على السيف الذي سل في سبيل
تثبيت حكمه . .