وما وراء الطبيعة ، فإننا من المؤكد سنجد بين اتباع هذه الأديان والمذاهب اشخاصا يقودهم استيقاظ الحس المودع فيهم إلى أن تنقطع قلوبهم عن علائق هذه الدنيا العابرة المليئة بالآلام والاحباط ، ويتحولون إلى الأفق الطلق ، فيولّون وجوههم نحو عالم الأبدية .
أما من الناحية العملية فانّ من بين اتباع كل دين أو مذهب ينتسب إلى اللّه بهذا القدر أو ذاك ، ثلّة من العشاق الولهين بالحياة المعنوية والنهج العرفاني .
وحين نقوم بمقارنة الجانب المعنوي فيما تنطوي عليه أصول الأديان والمذاهب التي بين أيدينا ، نرى بوضوح انّ المتون الأصلية للاسلام تميل أكثر من أي دين أو مذهب آخر إلى وصف السعادة الأبدية للانسان وعالم الخلود .
وبذلك يتأكد انّ نهج التهذيب وتنقية الباطن في الاسلام هو أمر طبيعي دون الحاجة إلى ربط أصل وجود هذا النهج بالهند أو بمصادر وأماكن أخرى .
علاوة على ذلك ، يؤكد لنا التأريخ عبر الوقائع الثابتة انّ عدّة من أصحاب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) من أمثال سلمان وكميل ورشيد وميثم وأويس عاشوا في اطار النهج التعليمي التربوي للامام حياة معنوية زاخرة ، في حين لم تكن اقدام المسلمين قد وطأت الهند حتى ذلك الوقت أو اختلطت مع الهنود .
ثم أنّ دعوى اتصال السلاسل المختلفة للتصوّف في الاسلام بالامام علي ( عليه السلام ) ونسبتها إليه ( بغض النظر عن صدق النسبة أو كذبها ) هي أمر يقودنا إلى التسليم بما ذكرناه أعلاه - من استقلال العرفان الاسلامي ونشوئه في البيئة الخاصة للثقافة الاسلامية - .
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 64
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٦٤