تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
بيد انّ البحث في مصالح الاحكام ومقاصد قوانين الشريعة لا يعني أنّ الانسان والمجتمع المسلم يملكان حرية عدم قبولها إلّا في حالة يفهم بها مصالح الحكم ومنافع القانون ، لانّه سبق وان أشرنا إلى انّ كل الاحكام جاءت عن طريق النبوة ، ودليل ثبوت النبوة هو بنفسه دليل اجمالي على ثبوت هذه الأحكام ، وان لم يكن بين أيدينا دليل تفصيلي عليها . ثم انّه بمقتضى الأصول الجارية لا يمكن ايقاف سريان اي قانون في المجتمعات البشرية المتقدمة أو غير المتقدمة ، على قناعة الفرد وقبوله ، أو أن نعلق التنفيذ استنادا إلى فرضية حرية الفرد في قبول أو ردّ القانون . غاية ما هناك انّ الانتقاد الفكري مسموح به بموجب القانون نفسه ، وإلّا فخلاف ذلك يلزم انحلال المجتمع وتفككه . انّ ما يملكه الانسان في أمثال هذه الحالات هو الحرية في ابداء الرأي فقط ( الرأي المخالف للقانون ) لا ان يخالف عمليا القانون الساري إلّا في حالة أن يعلن مجلس التقنين ( التشريع ) عن نسخ المادة القانونية المختلف عليها . في السياق نفسه ، علينا ان لا نتصوّر انّ مسألة التقليد « 1 » منافية لقاعدة وجوب العمل من خلال العلم ، ولا ناقضة للآية المارة آنفا في قوله تعالى
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
. والسر ان حقيقة التقليد - الذي نعنيه - يتمثل في رجوع الجاهل الذي يعجز عن تشخيص التكليف إلى من يعلم به . وأصل رجوع الانسان إلى أهل الخبرة
هامش
( 1 ) انّ المسلم الذي لا يستطيع ان يمارس بنفسه عملية ( تحديد الموقف الشرعي ) عبر استنباط الأحكام الشرعية من مداركها الأصلية ، عليه ان يعود في ذلك إلى المجتهد القادر على الاستنباط ، ويعمل وفقا لما يستنبطه من آراء فقهية .