أثر الرؤية الكونية في سلوك الانسان
وبذلك تنبع الكيفية التي يختارها الانسان في تكييف فعالياته المنظمة من حقيقة رؤيته الكونية ومن نظرته لموقعه في هذه الرؤية . من هنا نجد ان تلك الفئة التي تصدر من تصور يفضي إلى انكار الخالق وينسب وجود العالم للصدفة ، وتنطلق من تصوّر يحصر الانسان بهيكله المادي وحسب - حيث تؤرخ لوجود الانسان وفنائه ما بين الولادة والموت - تقيم حياتها وتنظمها بحيث تلبّي الاحتياجات المادية لحياة دنيوية عابرة ، ولا تقيم حسابا سوى للسعادة في اطارها المادي .
هذا الامر ينطبق على جميع القائلين باصالة المادة وأصالة الحياة المادية كما هو مشهود .
أما الفئة التي تكل الكون إلى خالق حكيم مدبّر يأخذ بيده تدبير العالم والبشر بحكمته ، فإنها لا تنظر إلى الانسان في حدّه المادي وحده ، وانما تقيم تنظيمها للحياة بما يكفل رضا الخالق ( جلّ وعلا ) وينجي من غضبه وعذابه ، وبما يحقق لها السعادة في الحياة ويجعلها بمأمن من نقماته وغضبه ( سبحانه ) .
انّ الانسان الذي يعتقد بدين التوحيد وان للخلق والمخلوقين ربا واحدا عالما قادرا ، وانّ للانسان حياة خالدة بحيث لا ينتهي وجوده بالموت ، سيقوم حتما بتنظيم حياته بكيفية تفضي إلى سعادته في الدارين ( قبل الموت وبعده ) .
وبهذا يتضح انّ الدين هو نهج الحياة ، وان ليس هناك فصل بين منهج الدين ومنهج الحياة . وبه يتبيّن خطأ أولئك الذين يقدمون اصالة الحياة ويعطون للدين جنبة هامشية ( تشريفاتيه ) ولأحكامه موقعا ضئيلا في الحياة .