أعمالهم الفكرية إلى حيث ما يجب أن تكون ، بل وبغض النظر أيضا عن مقدار ما تمثّله جهود هؤلاء واجتهاداتهم الفكرية من صواب في مرتبة تأسيس المباني وفي مرتبة الاستنتاج والتنظير . فكل واحد من هؤلاء - وثمة غيرهم أيضا - يعدّ صاحب مشروع فكري واضح ، وينظر إليه كمفكر يختص بنظام للفكر ، بحيث تتسق آثاره وتتعاضد لتشكيل منظومة متكاملة .
من الزاوية النقدية ، من العبث ان يتجه النقد لاعمال هؤلاء مفصولا عن مبانيهم ، لانّ التنظير عندهم هو بناء فوقي يقوم على بناء تحتي تمثله الأصول .
وأبعد شيء عن الحكمة ان يتصوّر أحدنا انه استوعب مقاصد هؤلاء لمجرد انه قرأ كتابا لهم أو كتابين ؛ بل ربما لا نغالي إذا قلنا انّه حتى التوفر على قراءة كامل آثارهم مع الغفلة عن الأصول والمباني ، لا يكفي أحيانا في استيعاب مشروعهم ونظامهم الفكري ، لأنّ الخطوة الأولى التي تسبق ما سواها وتكون مفتاحا لاعمالهم ، هي وعي المباني واستيعاب الأصول ولو بمستوى الحد الأدنى .
من هنا الخطأ الفاحش الذي تصاب به بعض الرؤى النقدية الراهنة ، وهي تقتنص فكرة من هذا الكتاب وأخرى من ذاك الكتاب لتنقض على هؤلاء .
فمثل هذه الممارسة تقوم على تصوّر مستعجل وربما ساذج ، وذلك من قبيل ما فعله باحث اسلامي معاصر مع الطباطبائي مفسرا ، حين ذهب إلى الزعم انّ طريقة الطباطبائي في التفسير تقوم على أساس النهج السنّي « 1 » محتجا بطريقته
هامش
( 1 ) ربما تبدو المفارقة كبيرة - بل قل المحنة ! - حين نضع هذا الرأي أمام رأي آخر ذهب إليه باحث وهابي متطرف هو علي السالوس من انّ تفسير الميزان يتسم بالغلو بما يفوق ما عليه تفسير الطوسي والطبرسي !
انظر : بين الشيعة والسنة : دراسة مقارنة في التفسير وأصوله ، د . علي السالوس ، صفحة 263 .