بعد هذه الإشارة العابرة نعود إلى الفكرة المحورية لهذه المقدمة الماثلة في استعراض بعض ملامح الكتابة الفكرية لدى السيّد الطباطبائي .
انّ اوّل ما يطالعنا في ذلك هو ارتكاز ما يكتبه الطباطبائي في أغلب معالجاته إلى مبان ثابتة يدور حولها ، وينطلق من خلالها وهو يستمدّ من محتواها مضمون مواقفه الفكرية إزاء القضايا التي يعرض لها .
وفكرة المباني تتلخص ببساطة بوجود سلسلة من الأصول العقيدية والفلسفية المبرهن عليها سلفا . فهذه الأصول هي كشاف ينير الطريق امام الطباطبائي ويهديه في شتّى المواضيع التي يتناولها إلى نتائج تأتي دائما متّسقة ومنسجمة ، بغض النظر عن مقدار ما تحققه من صواب .
هذا المنطلق ، هو الذي يجعلنا نعتقد انّ الطباطبائي هو صاحب مشروع فكري يختصّ بنظام فكري يقوم على أصول مؤسّسة ، ويستنفد مفردات الشأن الاسلامي من خلال هذه الأصول لينتهي إلى تأسيس منظومة فكرية يسودها الانسجام ويتخللها التعاضد والاتساق ، ويغيب عنها التنافر والاضطراب .
وحين يختصّ المفكر بنظام للفكر ؛ لا يفكر حينئذ بكل موضوع على حدة ، ولا يغدو العزل بين مفردة وأخرى جائزا بالنسبة إليه ؛ تماما كما هو يبدأ في كل موضوع يطرأ عليه من الصفر ، وانما يعود دائما إلى مبانيه فيستمد منها ، ويحلّل ويقوّم على ضوئها ، ثم يملأ الفراغات بمواقف فكرية تكشف عن نفسها برؤى موحّدة .
وفيما يتعلق بالأصول نفسها فانّ الطباطبائي كان قد أسّس لها وبرهن عليها في المرتبة الأولى من خلال بحوثه الفلسفية والعقيدية . وقد يعرض لها مجددا بالبحث والتفصيل فيما كتبه مستأنفا سواء في تفسير الميزان أو في بحوثه
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 8
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٨