التي يعمل لنفسه ، حتى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينيه ، وتعظم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ، ويبتغي مرضاتي ، ويعظم حق نعمتي ، ويذكر عملي به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كل سيئة ومعصية ، وينقي قلبه عن كل ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا .
فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّا حتى أجعل قلبه لي ، وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبتي من خلقي ، وافتح عين قلبه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي ، وأضيّق عليه الدنيا وأبغض إليه ما فيها من اللذات ، وأحذره الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي على غنمه مراتع الهلكة ، فإذا كان هكذا يفرّ من الناس فرارا ، وينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن .
يا أحمد ، ولأزيّننّه بالهيبة والعظمة . فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية ، وهذا مقام الراضين .
فمن عمل برضائي ، ألزمه ثلاث خصال : أعرّفه شكرا لا يخالطه الجهل ، وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين . فإذا أحبني أحببته وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا أخفي عليه خاصة خلقي ، وأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم ، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأعرفه السرّ الذي سترته على خلقي ، وألبسه الحياء حتى يستحي منه الخلق كلهم ، ويمشي على الأرض مغفورا له ، وأجعل قلبه واعيا وبصيرا ، ولا أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار . وأعرّفه ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول والشدة ، وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهّال والعلماء ، وأنوّمه في قبره ، وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتى
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 218
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢١٨