شرح
وليس من قبيل الموارد الثلاثة الأول كما هو واضح فلا بد من تقديم أدلة الغناء
لمخالفتها للعامة .
ومنها : إن التحريم إنما هو للطرب وليس في المراثي طرب بل ليس فيها إلا الحزن .
وفيه : إنه تارة يكون الصوت صوتا لهويا ولحنا رقصيا ويوجب حصول النشاط والانبساط ولكن ربما يبكي المستمع في خلاله لأجل الهموم المركوزة في قلبه الغائبة عن خاطره من فقد ما تستحضره القوى الشهوية ويتخيل أنه بكى في المرثية أو أنه يبكي من
جهة أقوائية المادة في حصول الحزن من الكيفية المطربة .
وأخرى يكون الصوت بنفسه موجبا لحصول الحزن والبكاء وعدم صدق الغناء
على الثاني وإن كان هو الحق كما عرفت إلا أنه يصدق على الأول فاللازم هو مراعاة ذلك
وتمييز الغناء عن غيره .
ومنها : قيام السيرة على ذلك لأنه المتعارف دائما في بلاد المسلمين من زمان المشايخ
إلى زماننا هذا من غير نكير .
وفيه : إن قيام السيرة على الرثاء وإقامة التعزية مسلم إلا أنه لا نسلم قيام السيرة
على التغني فيها بل المسلم خلافه ودعوى أن النياحة لا تكون إلا معه ممنوعة .
ومنها : إن البكاء والتفجع مطلوب مرغوب وفيه ثواب عظيم والغناء معين على
ذلك .
وفيه : أولا : ما تقدم من أن الغناء لا يكون معينا على البكاء لما تقدم في مقام بيان
حقيقته .
وثانيا أنه لو سلم كونه معينا عليه لا وجه للقول بجوازه من جهة وقوعه مقدمة
للمستحب إذ لو وقعت المزاحمة بين حكمين الزامي وغير الزامي لا شبهة في تقديم دليل
الأول على الثاني لكونه صالحا لأن يكون معجزا عن غيره بخلاف العكس .