لكم أن تولوا مجنونا ؟ !
وأخبرني يا أبا الهذيل ، عن قيام عمر وقوله : وددت أني شعرة في
صدر أبي بكر ، ثم قام بعدها بجمعة فقال : ( إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ( 1 )
وقى الله شرها ، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه ) ( 2 ) فبينما هو يود أن يكون
شعرة في صدره ، وبينما هو يأمر بقتل من بايع مثله .
فأخبرني يا أبا الهذيل عن الذي زعم أن النبي - صلى الله عليه وآله -
لم يستخلف ( 3 ) ، وأن أبا بكر استخلف عمر ، وأن عمر لم يستخلف ، فأرى
هامش
( 1 ) جاء في المنجد ص 592 : الفلتة جمع فلتات : الأمر يقع من غير إحكام ، يقال : خرج الرجل
فلتة ، أي بغتة ، وحدث الأمر فلتة أي فجأة من غير تدبر . وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج
ج 2 ص 37 : وذكر صاحب الصحاح أن الفلتة : الأمر الذي يعمل فجأة من غير تردد ولا تدبر .
وهكذا كانت بيعة أبي بكر ، لأن الأمر فيها لم يكن شورى بين المسلمين ، وإنما وقعت بغتة لم
تمحص فيها الآراء ، ولم يتناظر فيها الرجال ، وكانت كالشئ المستلب المنتهب ، وكان عمر
يخاف أن يموت ( أبو بكر ) عن غير وصية ، أو يقتل قتلا فيبايع أحد من المسلمين بغتة كبيعة
بأبي بكر ، فخطب بما خطب له ، وقال معتذرا : ألا إنه ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق كأبي بكر
وفي هذا المعنى يقول محمد بن هانئ المغربي - كما في شرح النهج أيضا ج 2 ص 37 :
ولكن أمرا كان أبرم بينهم وإن قال قوم فلتة غير مبرم
وقال آخر :
زعموها فلتة فاجئة * لا ورب البيت والركن المشيد
إنما كانت أمورا نسجت * بينهم أسبابها نسج البرود
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن الحديد ج 2 ص 23 ، النهاية لابن الأثير ج 3 ص 466 ، تاريخ الطبري
ج 3 ص 205 ، الصواعق المحرقة ص 36 ، أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 15 ، تاريخ
الخلفاء للسيوطي ص 68 ، نهج الحق ص 264 .
( 3 ) لا يمكن القول بأن النبي - صلى الله عليه وآله - ترك أمته سدى ولم يعين لهم خليفة وهذا
خلاف فعله وفعل الحكماء أيضا فإنه حينما ترك المدينة في غزوة تبوك لم يتركها بلا خليفة !
بل خلف من يلي أمرهم مقامه وهو علي بن أبي طالب - عليه السلام - ، وإذا كان كذلك فكيف
يتركهم بلا خليفة بعد موته وهو يعلم أن أمته سوف تلاقي ويلات من النزاع والاختلاف والفتن
وهو القائل : ( ستفترق أمتي بعدي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقي في النار ) ،
ناهيك عن النصوص الكثيرة المستفيضة في كتب المذاهب الإسلامية الدالة على تعيينه
للخليفة والوصي من بعده وهو علي بن أبي طالب - عليه السلام - ، وكما تشير إلى ذلك أيضا
الأدلة العقلية ، فالذي يزعم أنه - صلى الله عليه وآله - ترك أمته سدى بلا خليفة ما هو إلا مكابر
معاند وما أحسن قول الأزري - عليه الرحمة - في هذا المعنى حيث يقول :
أنبي بلا وصي تعالى * الله عما يقوله سفهاها
زعموا أن هذه الأرض مرعى * ترك الناس فيه ترك سداها
كيف تخلو من حجة وإلى من * ترجع الناس في اختلاف نهاها
وأرى السوء للمقادير ينمى * فإذا لا فساد إلا قضاها
قد علمتم أن النبي حكيم * لم يدع من أموره أولاها
أم جهلتم طرق الصواب من * الدين ففاتت أمثالكم مثلاها
هل ترى الأوصياء يا سعد إلا * أقرب العالمين من أنبياها
أو ترى الأنبياء قد اتخذوا * المشرك دهرا بالله من أوصياها
أم نبي الهدى رأى الرسل ضلت * قبله فاقتفى خلاف اقتفاها