وبيان ذلك : أن طبيبا لو وصف لعليل أن يشرب في وقته شراب الورد ،
حتى إذا أخذ العليل القدح بيده ليشرب ما أمره به ، قال له الطبيب في الحال : صبه
ولا تشربه ، وعليك بشرب النيلوفر ( 1 ) بدله ، فلسنا نشك في أن الطبيب قد
استدرك الأمر وظهر له من حال العليل ما لم يكن عالما به من قبل ، فغير عليه
الأمر لما تجدد له من العلم ، ولولا ذلك لم يكن معنى لهذا الاختلاف .
فقلت له : هذا مما في الشاهد وهو من البداء ، فيجوز عندك أن يكون في
البداء قسم غير هذا ؟
فقال : لا أعلم في الشاهد غير هذا القسم ، ولا أرى أنه يجوز في البداء
قسم غيره ولا يعلم .
فقلت له : ما تقول في رجل له عبد ، أراد أن يختبر حاله وطاعته من
معصيته ، ونشاطه من كسله ، فقال له في يوم شديد البرد : سر لوقتك هذا إلى
مدينة كذا ، لتقبض مالا لي بها ، فأحسن العبد لسيده الطاعة ، وقدم المبادرة ، ولم
يحتج بحجة ، فلما رأى سيده مسارعته ، وعرف شهامته ونهضته ، شكره على
ذلك ، وقال له : أقم على حالك ، فقد عرفت أنك موضع للصنيعة ، وأهل للتعويل
عليك في الأمور العظيمة ، أيجوز عندك هذا ؟ وإن جاز فهل هذا داخل في البداء
أم لا ؟
فقال : هذا مستعمل ورأينا في الشاهد ، وقد بدا فيه للسيد ، وليس هو قسما
ثانيا ، بل هو بعينه الأول ، هو الذي لا يجوز على الله عز وجل .
هامش
( 1 ) النيلوفر : نبات مائي من فصيلة النيلوفريات ، ورقه كبير مستدير يعوم على صفحة الماء ،
وأزهاره جميلة كثيرة القعالات ، تعوم أيضا ، منه أنواع تعيش في مستنقعات وبحيرات القارة
القديمة ، ومنه نوع جعل منه المصريون الأقدمون موضوعا . المنجد : ص 850 .