فلم يقدم أحد منهم على قتله ولا رام ذلك ولا استقام لهم نفيه عن بلادهم ولا
حبسه ولا منعه من دعوته ، ونحن نعلم علما يقينا لا يتخالجنا فيه الشك بأنه لو ظن
أحد من ملوك هذه الأزمان ببعض آل أبي طالب أنه يحدث نفسه بادعاء الإمامة
بعد مدة طويلة ، لسفك دمه دون أن يعلم ذلك ويتحققه فضلا عن أن يراه ويجده .
وقد علم أهل العلم كافة أن أكثر من حبس في السجون من ولد رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) وقتل بالغيلة إنما فعل به ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة ، ولو
لم يكن أحد منهم حل به ذلك إلا موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) لكان كافيا ، ومن تأمل هذه
الأمور وعرفها وفكر فيما ذكرناه وتبينه انكشف له الفرق بين النبي وبين الإمام
فيما سأل عنه هؤلاء القوم ولم يتخالجه فيه ارتياب والله الموفق للصواب .
وبهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال : أليس الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد ظهر في
أول أمره وعرفت العامة والخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على
نفسه ، فقد كان يجب أن يكون تدبير الإمام في ظهوره واستتاره كذلك ، مع أن
الاتفاقات ليس عليها قياس ، والألطاف والمصالح تختلف في أنفسها ولا تدرك
حقائقها إلا بسمع يرد عن عالم الخفيات ، جلت عظمته فلا يجب أن نسلك في
معرفتها طريق الاعتبار .
وليس يستتر هذا الباب إلا على من قل علمه بالنظر وبعد عنه الصواب والله
نستهدي إلى سبيل الرشاد ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الفصول المختارة للمفيد : ص 266 - 269 .