لم يبق له ربع يؤويه ولا جرئ ( 1 ) يكون فيه . فيحتمل قوله عليه
الصلاة والسلام : للشيطان في رؤوسهم مفاحص أحد معنيين .
( أحدهما ) أن يكون أراد أن الشيطان قد بدأ يختدعهم ،
ويغرهم ، ويستهويهم ويضلهم ، ولم يبلغ بعد من ذلك غايته ،
ولا استوعب خديعته كالقطاة التي بدأت باتخاذ المفحص لتبيض به
وترتب فراخها فيه .
( والمعنى الآخر ) أن يكون أراد أن الشيطان قد استوطن
رؤوسهم . فجعلها له مقيلا ، ومبركا ، وملعبا ، ومتمعكا ( 2 ) . كما
تتخذ القطاة مفحصا لتأوى إليه وتستجن فيه ( 3 ) .
34 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " أجد نفس
بكم من قبل اليمن " ، وهذا القول مجاز ، لأنه عليه الصلاة
والسلام أراد أن غوث الله ونصره يأتيان من قبل اليمن يعنى القبيلة
لا البلدة ، والقبيلة هم الأنصار الذين نفس الله بهم خناق الدين ،
هامش
( 1 ) الجرئ والجريئة : بيت يصطاد الصيادون فيه السباع ويكون في العراء
لا أثر فيه لترف ولا يصلح للإقامة .
( 2 ) المتمعك : المكان الذي يتمرغ فيه الحيوان ليهرش جلده .
( 3 ) والمعنى الأخير أولى بالحمل عليه ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال فاقلعوها
بالسيوف ، وأثر الفحص لا يقلع وإنما يقلع العش والبيت الذي بنى ، إلا إذا جعلنا
في اقلعوها مجازا بأن يشبه محو الأثر بقلع البيت .
وفي الحديث استعارة تصريحية ، حيث شبه المعلومات الزائفة والعقائد الفاسدة
التي بثها الشيطان في عقولهم بعش الطائر المعد لاقامته فيه .