وكان أعجوبة في الحفظ ، فعن البحتري قال :
دخلت على سعيد بن أسلم الطائي فأنشدت قصيدتي في مدحه التي أوّلها :
أأفاق صبّ من هوى فأفيقا « 1 »
وإلى جنبه شخص لا أعرفه ، فلمّا فرغت منها أقبل عليّ ذلك الشخص وقال : أما تستحي تنتحل شعري ، وتنشده بحضوري ، ثمّ مرّ في القصيدة فأنشدها من حفظه ، فتغيّر وجه سعيد ، والتفت إليّ وقال : يا بن أخي قد كان في الوسائل مندوحة عن سرقة الشعر ، فخرجت كاسف البال ، وسألت عن الرجل ، فقيل : إنّه أبوتمّام الطائي ، فلمّا بعدت ، لحقني الحاجب ، وأمرني بالعود ، وإذا أبوتمّام يضحك فاستدناني وقال : يا سيّدي الشعر لك ، وإنّما هذه عادتي في حفظ القصيدة من مرّة واحدة ، ولقد نعيت لي نفسي ؛ فإنّه ما نبغ من قبيلة مجيد ، أو شريف إلّا مات من كان قبله مثله ، أو ما سمعت قول الشاعر :
إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه
تخمط منّا ناب آخر مقرم ؟
فقلت : بل يجعلني اللّه فداك ، ثمّ لزمته وكان محسنا إليّ إلى أن مات .
وكانت وفاته في الموصل سنة 231 ه « 2 » ، وفي ولادته ووفاته اختلاف كثير لا محلّ لذكره ، ومحاسنه لا تحصى ، وبدائعه لا تستقصى ، وإن أردت المزيد ، فراجع ديوانه رحمهالله .
* * * قد تمّ بعون اللّه تعالى الجزء السادس من موسوعة الإمام شرف الدين . ويتلوه إن شاء اللّه تعالى في الجزء السابع كتاب بغية الراغبين . وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين .
هامش
( 1 ) - . ديوان البحتري 358 : 2 ، سوق المكارم .
( 2 ) - . روضات الجنّات 10 : 3 ، الرقم 229 .