ممكنة فهي لا بقاء لها إلا بالفاعل ، وأنها تحتاج في حال بقائها إلى المؤثر ، فأخطأ الناقل
في فهم قوله فظن أنه يقول بتجددها حالا فحالا ، ولكنه تأويل بعيد حملهم عليه
تصحيح هذا القول الفاسد المنسوب إليه ، والأقرب صحة النسبة فإن هذه مقالة
معروفة من مذهب فلاسفة اليونان ، وأول من ذهب إليه هرقليطس فإنه زعم أن الكون
ليس دائما على صورة واحدة وليست الكينونة أمرا ثابتا خالدا ، بل هو في تغيير مستمر
وتحول دائم كل لحظة تباين اللحظة التي سبقتها وتخالف لاحقتها ، فالأشياء لا تزال
تنقلب من حال إلى حال من غير أن تثبت على حال لحظة واحدة ، وأنت ترى أن هذا
عين المقالة المنسوبة إلى النظام ، والنظام من أشهر المطلعين على كتب الفلسفة
وأقاويل الفلاسفة القدماء ومن أكثرهم ميلا إلى تقرير مذاهبهم ، فلا استبعاد من
اطلاعه عليها وأخذه ذلك منهم .
ومما يؤيد صحة هذه النسبة إليه ما يقوله ابن قتيبة في كتاب ( مختلف الحديث )
عند ذكر النظام إن أصحابه يعدون من خطائه قوله : إن الله - عز وجل - يحدث الدنيا
وما فيها في كل وقت من غير إفنائها . انتهى ، وممن نسبه إليه المحقق الطوسي - قدس سره
- في ( نقد المحصل ) وإن شك في نسبته إليه . ز .
القول 88 : هل تحتاج إلى مكان - 97 / 5 .
الجوهر قد مر أنه لا يعقل إلا في حيز ومحاذاة ، وسيأتي ذكر الاختلاف في
ماهية المكان وحقيقته ، فإن فسرناه بالبعد كما فسره به بعض الأوائل لا بد له من مكان ،
وإن فسرناه بالسطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم
المحوي كما عليه بعض الحكماء ، أو ما يعتمد عليه المتمكن ويثبت عليه على ما اختاره
المتكلمون استغنى بعض الأجسام عنه لاستحالة التسلسل . وقول المصنف : ( وعلى
غنائها عن المكان كافة الموحدين ) إشارة إلى هذا إذ هو ينافي القول بحدوث العالم ، فإن
المكان حينئذ يحتاج إلى مكان آخر ويلزم منه التسلسل المحال . ز .
أوائل المقالات — صفحة 204
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٢٠٤