وليس الادراك بطريق الحواس أيضا طريقا إلى معرفتها لأن هذه الأشياء غير
ممكنة الادراك من طريقها ، وكذلك الخبر أيضا ليس طريقا إلى معرفتها ، لأن الذي يفيد
القطع منها هو ما ينتهي بالآخرة إلى الادراك والمشاهدة وما سوى ذلك لا يفيد العلم
لسامعيه كما لا يحصل العلم بحقيقة الديانة الإسلامية وبصدق نبوة رسول الله ( ص ) لغير
المسلمين مع أن جميع المسلمين يخبرونهم بذلك ، وكذلك جميع الموحدين من أهل
الديانات يخبرون أهل الزندقة والالحاد بوحدانية الله تعالى وبحدوث العالم وبغير ذلك
ولا يحصل لهم العلم بمجرد إخبارهم .
فإذا لم يمكن تحصيل العلم بالمعارف اللازمة بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة
فلا يبقى إلا أن يكون ذلك من جهة الاكتساب وطريق النظر والاستدلال ، ولهذا قال
محققو المتكلمين : إن النظر أول الواجبات على المكلفين . ز .
القول 31 : جهم بن صفوان وعبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي 61 / 10
جهم بن صفوان الترمذي من الجبرية الخالصة ، ذكروا أنه أظهر مذهبه بترمذ
وأشاعه علانية وحاور فيه ثم خرج مع حارث بن سريج الأزدي بخراسان على عمال
بني أمية منكرا لسيرة الأمويين وداعيا إلى الكتاب والسنة ، ووقعت واقعة بين الحارث
ابن سريج ونصر بن سيار أمير خراسان من قبل الأمويين فانهزم واسر يومئذ جهم بن
صفوان وقتل وذلك في سنة 126 ه . وله مقالات تعرض لذكرها المؤلفون في
المقالات ، ومنها زعمه أن الانسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل بل هو مجبور فيما
يخلقه الله فيه من الأفعال على ما يخلقه في سائر الجمادات ، وأن نسبة الفعل إليه بطريق
المجاز كما يقال ( جرى الماء ) و ( طلعت الشمس ) و ( أمطرت السماء ) و ( اهتزت
الأرض ) وإن لم يكن شئ من ذلك من فعل المنسوب إليه ، وأن الثواب والعقاب
أيضا كما في الأفعال جبر فكلما يفعله العبد من طاعة ومعصية فهو اضطرار منه ، وكذا
ما يفعل به من ثواب وعقاب ، وكل ذلك فالله تعالى فاعله وصانعه .
أوائل المقالات — صفحة 163
مساهمون: الشيخ المفيد
ص١٦٣