أمّا الوجه الأوّل : فلأنّه مبني على اختصاص القاعدة بموارد الامتناع التكويني ،
ليختص جريانها بما إذا عرضه الامتناع في الخارج تكويناً وكان ذلك بسوء اختيار
المكلف كالاتيان بالحج يوم عرفة لمن ترك المسير إليه ، وكحفظ النفس المحترمة لمن
ألقى نفسه من شاهق مثلاً وما شابه ذلك ، وعليه فلا محالة لا تشمل مثل الخروج عن
الدار المغصوبة ، لفرض أنّه غير ممتنع تكويناً ومقدور للمكلف عقلاً فعلاً وتركاً ،
وإن كان غير مقدور له تشريعاً ، ولكن قد عرفت أنّه لا وجه لهذا التخصيص أصلاً ، ولا
فرق في جريان هذه القاعدة بين أن يكون امتناع الفعل تكوينياً أو تشريعياً ، فكما أنّها تجري على الأوّل ، فكذلك تجري على الثاني .
وعلى هدى ذلك قد تبيّن أنّ الخروج عن الأرض المغصوبة في مفروض الكلام وما شاكله
داخل في كبرى تلك القاعدة ، وذلك لأنّ الخروج وإن كان مقدوراً للمكلف تكويناً فعلاً
وتركاً ، إلاّ أنّه لا مناص له من اختياره خارجاً ، والوجه فيه : هو أنّ أمره في هذا
الحال يدور بين البقاء في الأرض المغصوبة والخروج عنها ولا ثالث لهما ، هذا من
ناحية .
ومن ناحية أُخرى : أنّ التصرف فيها بغير الخروج بما انّه محرّم فعلاً من جهة أنّه
أهمّ المحذورين وأقوى القبيحين ، فلا محالة يحكم العقل بتعين اختيار الخروج والفرار
عن غيره ، ومع هذا يمتنع النهي عنه بالفعل ، لأنّ حكم الشارع بحرمة البقاء فيها فعلاً
الموجب لامتناع ترك الخروج تشريعاً لا يجتمع مع النهي عن الخروج أيضاً ، فالنتيجة : أنّه لا يمكن النهي عنه في هذا الحال لامتناع تركه من ناحية إلزام الشارع بترك
البقاء والتصرف بغيره كما هو واضح ، ولكن بما أنّه مستند إلى اختيار المكلف فلا
ينافي العقاب فانّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار .
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 88
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٨٨