وأمّا النقطة الثانية : فللمناقشة فيها مجال واسع ، وذلك لأنّه لا مانع من ثبوت
المقتضي لكل من الضدّين في نفسه ، مع قطع النظر عن الآخر ، ولا استحالة فيه أصلاً .
والوجه في ذلك هو : أنّ كلاً من المقتضيين إنّما يقتضي أثره في نفسه مع عدم ملاحظة
الآخر ، فمقتضي البياض مثلاً إنّما يقتضيه في نفسه سواء أكان هناك مقتض للسواد أم
لم يكن ، كما أنّ مقتضي السواد إنّما يقتضيه كذلك ، وإمكان هذا واضح ، ولا نرى فيه
استحالة ، فانّ المستحيل إنّما هو ثبوت المقتضي لكل من الضدّين بقيد التقارن
والاجتماع لا في نفسه ، أو اقتضاء شيء واحد بذاته لأمرين متنافيين في الوجود ، وهذا
مصداق قولنا اقتضاء المحال محال ، لا فيما إذا كان هناك مقتضيان كان كل واحد منهما
يقتضي في نفسه شيئاً مخصوصاً وأثراً خاصاً مع قطع النظر عن ملاحظة الآخر .
والبرهان على ذلك : أنّه لولا ما ذكرناه من إمكان ثبوت المقتضي لكل منهما في نفسه
، لم يمكن استناد عدم المعلول إلى وجود مانعه أصلاً ، لأنّ أثر المانع كالرطوبة
مثلاً لا يخلو من أن يكون مضاداً للمعلول - وهو الاحراق - وأن لا يكون مضاداً له ،
فعلى الفرض الأوّل يستحيل ثبوت المقتضي للمعلول والممنوع ، ليكون عدمه مستنداً إلى
وجود مانعه ، لفرض وجود ضدّه وهو أثر المانع ، وقد سبق أنّ عند وجود أحد الضدّين
يستحيل ثبوت المقتضي للآخر ، فيكون عدمه من جهة عدم المقتضي ، لا من جهة وجود المانع
مع ثبوت المقتضي له . وعلى الفرض الثاني فلا مقتضي لكونه مانعاً منه ، بداهة أنّ
مانعية المانع من جهة مضادة أثره للممنوع ، فإذا فرض عدم مضادته له فلا موجب لكونه
مانعاً أصلاً .
وقد تبيّن لحدّ الآن أنّه لا مانع من أن يكون أحد الضدّين مانعاً عن الآخر
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 296
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٩٦