مع أنّه متمكن من قطع القوّة عنه في كل آن شاء وأراد ، وهذا هو واقع نظريّة الأمر
بين الأمرين وحقيقتها .
وبعد ذلك نقول : إنّ الأشاعرة تدّعي أنّ أفعال العباد من قبيل الأوّل ، حيث إنّها
لم تصدر عنهم باختيارهم وإرادتهم بل هي جميعاً بإرادة الله تعالى التي لا تتخلف
عنها ، وهم قد أصبحوا مضطرِّين إليها ومجبورين في حركاتهم وسكناتهم كالميت في يد
الغسال ، ومن هنا قلنا إنّ في ذلك القضاء الحاسم على عدالته سبحانه وتعالى ، هذا من
ناحية .
ومن ناحية أُخرى : قد تقدّم ( 1 ) نقد هذه النظريّة بشكل موسّع وجداناً وبرهاناً .
وقد أثبتنا أنّ تلك النظريّة لا تتعدى عن مجرد الافتراض بدون أن يكون لها واقع
موضوعي .
والمعتزلة تدّعي أنّ أفعال العباد من قبيل الثاني ، وأنّهم مستقلون في حركاتهم
وسكناتهم ، وإنّما يفتقرون إلى إفاضة الحياة والقدرة من الله تعالى حدوثاً فحسب ، ولا
يفتقرون إلى علّة جديدة بقاءً ، بل العلّة الأُولى كافية في بقاء القدرة والاختيار
لهم إلى نهاية المطاف . ومن هنا قلنا إنّ هذه النظريّة قد أسرفت في تحديد سلطنة
الباري ( سبحانه وتعالى ) ، هذا من ناحية . ومن ناحية أُخرى : قد سبق أنّ تلك
النظريّة تقوم على أساس نظريّة الحدوث وهي النظريّة القائلة بأنّ سرّ حاجة الأشياء
إلى أسبابها هو حدوثها ، ولكن قد أثبتنا آنفاً خطأ تلك النظريّة بشكل واضح ، وأنّ
سرّ حاجة الأشياء إلى أسبابها هو إمكانها الوجودي لا حدوثها ، ولا فرق فيه بين
الحدوث والبقاء .
والإمامية تدّعي أنّ أفعال العباد من قبيل الثالث ، وقد عرفت أنّ النظريّة
هامش
( 1 ) في ص 386 وما بعدها .