عن مبدئها على ضوء الاختيار وإعمال القدرة .
( 5 )
نظريّة الإماميّة
مسألة الأمر بين الأمرين
إنّ طائفة الإمامية بعد رفض نظريّة الأشاعرة في أفعال العباد ونقدها صريحاً ، ورفض
نظريّة المعتزلة فيها ونقدها كذلك ، اختارت نظريّة ثالثة فيها وهي : الأمر بين
الأمرين ، وهي نظريّة وسطى لا إفراط فيها ولا تفريط ، وقد أرشدت الطائفة إلى هذه
النظريّة الروايات الواردة في هذا الموضوع من الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ( 1 )
الدالّة على بطلان الجبر والتفويض من ناحية ، وعلى إثبات
هامش
( 1 ) وإليكم نصّ الروايات :
منها : صحيحة يونس بن عبد الرّحمن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله ( عليه
السلام ) « قالا : إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها
، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون ، قال : فسئلا هل بين الجبر والقدر منزلة
ثالثة ؟ قالا : نعم ، أوسع ممّا بين السماء والأرض » [ أُصول الكافي 1 : 159 ح 9 ] .
ومنها : صحيحته الأُخرى عن الصادق ( عليه السلام ) قال : « قال له رجل : جعلت فداك
أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ
يعذّبهم عليها ، فقال له : جعلت فداك ففوّض الله إلى العباد ؟ قال فقال : لو فوّض
إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي ، فقال له : جعلت فداك فبينهما منزلة ؟ قال فقال :
نعم ، أوسع ممّا بين السماء والأرض » [ المصدر السابق ح 11 ] .
ومنها : صحيحة هشام وغيره قالوا : « قال أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : إنّا لا
نقول جبراً ولا تفويضاً » [ بحار الأنوار 5 : 4 ح 1 ] .
ومنها : رواية حريز عن الصادق ( عليه السلام ) « قال : الناس في القدر على ثلاثة أوجه
: رجل زعم أنّ الله ( عزّ وجلّ ) أجبر الناس على المعاصي ، فهذا قد ظلم الله ( عزّ
وجلّ ) في حكمه وهو كافر . ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم ، فهذا وهن الله في
سلطانه فهو كافر . ورجل يقول : إنّ الله ( عزّ وجلّ ) كلّف العباد ما يطيقون ولم
يكلّفهم ما لا يطيقون ، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله ، فهذا مسلم بالغ »
[ المصدر السابق ص 9 ح 14 ] .
ومنها : رواية صالح عن بعض أصحابه عن الصادق ( عليه السلام ) قال : « سئل عن الجبر
والقدر ، فقال : لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما ، لا
يعلمها إلاّ العالم أو من علّمها إيّاه العالم » [ الكافي 1 : 159 ح 10 ] .
ومنها : مرسلة محمّد بن يحيى عن الصادق ( عليه السلام ) « قال : لا جبر ولا تفويض ، ولكن
أمر بين أمرين » [ المصدر السابق ح 13 ] .
ومنها : رواية حفص بن قرط عن الصادق ( عليه السلام ) « قال قال رسول الله ( صلّى الله
عليه وآله ) : من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أنّ
الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير
قوّة الله فقد كذب على الله ، ومن كذب على الله أدخله النار » [ المصدر السابق ح 6 ] .
ومنها : رواية مهزم قال : « قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) أخبرني عمّا اختلف فيه من
خلّفت من موالينا ، قال فقلت : في الجبر أو التفويض ؟ قال : فاسألني ، قلت : أجبر
الله العباد على المعاصي ؟ قال : الله أقهر لهم من ذلك ، قال قلت : ففوّض إليهم ؟
قال : الله أقدر عليهم من ذلك ، قال قلت : فأيّ شيء هذا أصلحك الله ؟ قال : فقلّب يده
مرّتين أو ثلاثاً ثمّ قال : لو أجبتك فيه لكفرت » [ بحار الأنوار 5 : 53 ح 89 ] .
ومنها : مرسلة أبي طالب القمي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال قلت : « أجبر الله
العباد على المعاصي ؟ قال : لا ، قلت : ففوّض إليهم الأمر ؟ قال قال : لا ، قال قلت
: فماذا ؟ قال : لطف من ربّك بين ذلك » [ أُصول الكافي 1 : 159 ح 8 ] .
ومنها : رواية الوشاء عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) قال : « سألته فقلت : الله
فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال : الله أعزّ من ذلك ، قلت : فجبرهم على المعاصي ؟ قال
: الله أعدل وأحكم من ذلك ، قال : ثمّ قال : قال الله يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك
منك وأنت أولى بسيِّئاتك منّي عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك » [ المصدر السابق
ح 3 ] .
ومنها : رواية هشام بن سالم عن الصادق ( عليه السلام ) « قال : الله أكرم من أن يكلف
الناس ما لا يطيقون ، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد » [ المصدر السابق
ح 14 ] .
ومنها : ما روي عن الصادق جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) أنّه « قال : لا جبر ولا
تفويض بل أمر بين أمرين » إلخ [ بحار الأنوار 5 : 17 ح 28 نقلاً عن الاعتقادات للشيخ
الصدوق ( ضمن مصنفات الشيخ المفيد ) : 29 ] .
ومنها : رواية عن أبي حمزة الثمالي أنّه قال « قال أبو جعفر ( عليه السلام ) للحسن
البصري : إيّاك أن تقول بالتفويض ، فانّ الله ( عزّ وجلّ ) لم يفوّض الأمر إلى خلقه
وهناً منه وضعفاً ، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً » [ المصدر السابق ح 26 ] .
ومنها : رواية المفضل عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) « قال : لا جبر ولا تفويض ولكن
أمر بين أمرين » إلخ [ المصدر السابق ح 27 ] وغيرها من الروايات الواردة في
هذا الموضوع ، وقد بلغت تلك الروايات من الكثرة بحدّ التواتر .
فهذه الروايات المتواترة معنىً وإجمالاً الواضحة الدلالة على بطلان نظريتي الجبر
والتفويض من ناحية ، وعلى إثبات نظريّة الأمر بين الأمرين من ناحية أُخرى ، بوحدتها
كافية لاثبات المطلوب فضلاً عمّا سلف من إقامة البرهان العقلي على بطلان كلتا
النظريتين . وعلى هذا الأساس فكلّ ما يكون بظاهره مخالفاً لتلك الروايات فلا بدّ من
طرحه بملاك أنّه مخالف للسنّة القطعية وللدليل العلمي العقلي .
نعم ، قد فسّر الأمر بين الأمرين بتفسيرات أُخر وقد تعرّضنا لتلك التفسيرات في ضمن
رسالة مستقلّة ، وناقشناها بصورة موسعة . كما تعرّضنا لنظريّة الفلاسفة فيها بكافّة
أُسسها التي تقوم نظريّتهم على تلك الأُسس ونقدها بشكل موسع .