أمّا النقطة الأُولى : فالأمر فيها كما ذكره ( قدس سره ) لأنّ هذه القوى كلّها جنود
للنفس وتعمل بقيادتها ، فالأفعال الصادرة منها في الحقيقة تصدر عن النفس ، وهذا
واضح فلا حاجة إلى مزيد بيان .
وأمّا النقطة الثانية : فيرد عليها أوّلاً : أنّ الأمر ليس كما ذكره ( قدس سره ) إذ
لا ريب في أنّ للنفس أفعالاً تصدر منها باختيارها وسلطنتها مباشرة ، أي من دون
توسيط إحدى قواها الباطنة والظاهرة .
منها : البناء القلبي ، فانّ لها أن تبني على شيء ، وأن لا تبني عليه ، وليس البناء
فعلاً يصدر من إحدى قوّة من قواها كما هو ظاهر .
ومنها : قصد الإقامة عشرة أيام ، فانّ لها أن تقصد الإقامة في موضع عشرة أيام ،
ولها أن لا تقصد ، فهو تحت يدها وسلطنتها مع قطع النظر عن وجود كافّة قواها .
ومنها : عقد القلب ، وقد دلّ عليه قوله تعالى : ( وَجَحَدُوا بِهَا
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) ( 1 ) فأثبت سبحانه أنّ عقد القلب على شيء غير
اليقين به ، فانّ الكفّار كانوا متيقنين بالرسالة والنبوّة بمقتضى الآية الكريمة
ولم يكونوا عاقدين بها . وكيف كان ، فلا شبهة في أنّ للنفس أفعالاً في أُفقها تصدر
منها باختيارها وإعمال سلطنتها ، كالبناء والالتزام والقصد وعقد القلب وما شاكل ذلك
.
وثانياً : على فرض تسليم عدم صدور الفعل من النفس من دون توسط إحدى قواها الباطنة
والظاهرة ، إلاّ أنّك عرفت أنّ الأفعال التي تصدر من قواها في الحقيقة تصدر منها ،
وهي الفاعل لها حقيقةً وواقعاً .
والسبب في ذلك : أنّ هذه القوى بأجمعها تصحح فاعلية النفس بالفعل ، فانّ
هامش
( 1 ) النمل 27 : 14 .