في قوله تعالى : ( خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) ( 1 ) وبالجملة أنّ هذه
الأوصاف ممّا لا تقتضيه ماهية الإنسان فإرادة الماهية من الطبيعة الأصلية غير ممكن
.
وإن أُريد بها ما يلازم الماهية من الأُمور المعبّر عنها في كلمات الفلاسفة
والأُصوليين بلوازم الماهية ، وأنّها هي التي تقتضيها الماهيات وهي المدار في الصحة
والعيب ، فيدفعه : أنّ الماهية وإن كانت ربما يكون لها لوازم إلاّ أنها مستحيلة
التخلّف والانفكاك عن الماهية حتى يعدّ عيباً ، أترى أنّ الزوجية تنفك عن الأربعة
وهي ممّا عدّوه من لوازم الماهية ، وهذا الاحتمال أيضاً ساقط وغير مراد .
فيتعيّن أن يكون المراد ما يقتضيه وجود الشيء والطبيعة في الخارج بأن يقال إنّ ما
يقتضيه وجود الطبيعة هو الذي يدور مداره العيب والصحة ، فوجود طبيعة الإنسان يقتضي
العين والسمع واليد والرجل ونحوها ففقدها يعدّ عيباً ، نعم إنّ وجوده لا يقتضي
الكتابة مثلا فوجودها يعدّ كمالا ، وبالجملة فالمدار هو ما عليه الوجود الخارجي
للطبيعة ، وهذا أمر معقول بحسب الثبوت .
إلاّ أنّ الكلام فيه في مقام الاثبات ، لأنّا إذا فرضنا أنّ وجودات الإنسان كلّها
واجدة للعين وأنّها بصيرة ولم نر في الخارج أعمى فرضاً فمن أين يمكننا إثبات أنّ
العين والإبصار ممّا يقتضيه وجود طبيعة الانسان ، بل نحتمل أن يكون ذلك من مقتضيات
تفضّل الله سبحانه على الانسان باعطاء العين في قوله : ( فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً
بَصِيراً ) ( 2 ) نعم هذه الصفة من الممكنات فيحتاج في تحقّقها إلى مقتض وشرط وعدم
المانع ، وأمّا جعل المقتضي لها وجود الطبيعة فلا برهان عليه حتى يحكم بأنّ عدمها
عيب . وكذا الحال فيما إذا رأينا التفاحة حمراء ولم نر في الخارج تفاحة بيضاء فأنّا
لنا
هامش
( 1 ) الرحمن 55 : 3 - 4 .
( 2 ) الإنسان 76 : 2 .