وربما يقال : بأنّ الوجه في عدم قبول قوله إنّما هو تقديم الظاهر على الأصل وكونه
مدّعياً لمخالفة دعواه للظاهر ، إلاّ أنه ليس كل مدّع محتاجاً إلى إقامة البيّنة بل
ربما يقبل قوله مع اليمين كما إذا تعسّر عليه إقامة البيّنة على مدّعاه ، لأنه ممّا
لا يعرف إلاّ من قبله ، وبتلك الجهة لا مانع من تقديم قوله مع اليمين لتعسّر إقامة
البيّنة على غفلته ، هذا .
وقد أجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري ( 1 ) بوجه فيه خلط ، وذلك لأنّ في المقام أمران :
أحدهما كبرى قبول قول كل مدّع يتعسّر عليه إقامة البيّنة على مدّعاه . وهذه الكبرى
هي التي ناقشناها سابقاً ، وأورد عليها شيخنا الأنصاري ( قدّس سرّه ) بأنّ الكبرى غير
مسلّمة ، لأنّ لازمها قبول قول مدّعي الفساد فيما إذا أوقع العقد في برّ أو بحر خال
عن الناس . وثانيهما : كبرى قبول قول كل من لا يعرف ذلك القول إلاّ من قبله ، وهذه
الكبرى غير الكبرى المتقدمة لأنّ معناها أنّ كل قول بطبعه لا يمكن معرفته إلاّ من
قبل قائله ومدّعيه لا بدّ من قبوله ، لا كل ما تعسّر إقامة البيّنة عليه في مورد مع
إمكان إقامتها عليه بطبعه وفي حدّ نفسه إلاّ أنه لما وقع في مكان خال عن الناس
اتّفاقاً لا يمكنه إقامة البيّنة عليه ، ولكنّها أيضاً ممّا لم ترد في آية ولا في
رواية وإنما ثبتت في خصوص إخبار المرأة بانقضاء عدّتها وبما في رحمها وبعادتها
لأنهن مصدّقات في الثلاثة لا في جميع الموارد ، وإلاّ فلازمه قبول قول مدّعي
العدالة والتقى لأنه مما لا يعرف إلاّ من قبله ، هذا أوّلا .
وثانياً : أنّ تطبيق تلك الكبرى على المقام غير صحيح ، وذلك لما عرفت من إمكان
الاطّلاع على جهل شخص آخر أو علمه .
فالمتحصّل : أنّ أهل الخبرة لا يثبت في حقه الخيار وهذا بخلاف غير أهل
هامش
( 1 ) المكاسب 5 : 169 .