وأمّا المقام الثاني : أعني المعاطاة المقصود بها الملك المترتّب عليها الملك أيضاً
لزوماً كان أو على نحو الجواز ، فهي أيضاً كما إذا كانت المعاطاة من الطرفين ويجري
فيها جميع الأدلّة التي أقمناها على إفادتها الملك واللزوم كقوله تعالى ( أَوْفُوا
بِالْعُقُودِ ) ( 1 ) أو ( تِجَارَةً عَنْ تَرَاض ) ( 2 ) أو غيرهما من الأدلّة التي
أسلفناها سابقاً وذلك لأنّها بيع عرفاً وشرعاً .
وما أفاده شيخنا الأُستاذ ( قدّس سرّه ) ( 3 ) من أنّ البيع عبارة عن مبادلة مال بمال
وهي تستلزم التبديلين لا محالة والمفروض أنّ التبديل في المقام من طرف واحد ولا
مبادلة فيها ، فممّا لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، لما ذكرناه سابقاً ( 4 ) من أنّ
المراد بالمبادلة ليس هو المبادلة الخارجية والمكانية ، بل المراد بها هو المبادلة
في عالم الاعتبار المبرزة في الخارج بالفعل أو القول ، وهذا المعنى متحقّق في
المقام أيضاً لأنّهما قصدا المبادلة بين المالين حسب الفرض وقد أبرزاها باعطاء
أحدهما وأخذ الآخر له في مقابلة العوض ، هذا كلّه .
مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال : إنّ المعاطاة من الجانبين قليلة جدّاً بل كلّ ما
يقع في الخارج من المعاطاة معاطاة من جانب واحد فالبائع مثلا يبرز اعتباره باعطاء
ماله والمشتري يبرز قبوله بأخذه ، فيكون إعطاء الثمن بعد ذلك وفاءً بالمعاملة التي
أوقعاها بالاعطاء والأخذ لا أنّه مقوّم للمعاطاة والمعاملة كما هو ظاهر ، فلذا لو
سألنا المشتري عن المبيع أنّه مال مَن ، قبل أن يدفع عوضه إلى
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 1 .
( 2 ) النساء 4 : 29 .
( 3 ) منية الطالب 1 : 166 .
( 4 ) في الصفحة 17 .