والمرأة لباس الآخر ، وإلاّ لحرم لبس أحد الزوجين لباس الآخر لبعض الدواعي كبرد ونحوه ، بل الظاهر من التشبّه في اللباس المذكور في الروايتين هو أن يتزيّا كل من الرجل والمرأة بزي الآخر ، كالمطربات اللاتي أخذن زي الرجال ، والمطربين الذين أخذوا زي النساء ، ومن البديهي أنه من المحرّمات في الشريعة ، بل من أخبث الخبائث وأشد الجرائم وأكبر الكبائر . على أنّ المراد في الرواية الأُولى هو الكراهة إذ من المقطوع به أنّ جرّ الثوب ليس من المحرّمات في الشريعة المقدّسة .
وقد تجلّى ممّا ذكرناه : أنه لا شك في جواز لبس الرجل لباس المرأة لإظهار الحزن ، وتجسّم قضية الطف ، وإقامة التعزية لسيد شباب أهل الجنّة ( عليه السلام ) . وتوهّم حرمته لأخبار النهي عن التشبّه ناشئ من الوساوس الشيطانية ، فإنّك قد عرفت عدم دلالتها على حرمة التشبّه .
وقد علم ممّا تقدّم أيضاً : أنه لا وجه لاعتبار القصد في مفهوم التشبّه وصدقه بل المناط في صدقه وقوع وجه الشبه في الخارج مع العلم والالتفات كاعتبار وقوع المعان عليه في صدق الإعانة . على أنه قد أطلق التشبّه في الأخبار على جر الثوب والتخنّث والمساحقة ، مع أنه لا يصدر شيء منها بقصد التشبّه . ودعوى أنّ التشبّه من التفعّل الذي لا يتحقّق إلاّ بالقصد دعوى جزافية ، لصدقه بدون القصد كثيراً .
قوله : وفيها ( وفيهما ) خصوصاً الأُولى بقرينة المورد ظهور في الكراهة .
أقول : قد علم ممّا ذكرناه أنه لا وجه لحمل ما ورد في التشبّه في اللباس على الكراهة بدعوى ظهوره فيها ، إذ لا نعرف منشأ لهذه الدعوى إلاّ قوله ( عليه السلام ) في رواية سماعة في رجل يجر ثيابه : « إنّي لأكره أن يتشبّه بالنساء » ومن الواضح جدّاً أنّ الكراهة المذكورة في الروايات أعم من الكراهة الاصطلاحية .
على أنّ رواية الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه عن رسول الله ( صلّى الله عليه
مصباح الفقاهة في المعاملات تقريرا لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي — صفحة 329
مساهمون: الشيخ ميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي
ص٣٢٩