ثالثها : يوم ماتت رقيّة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث بكت عليها النساء فجعل عمر يضربهنّ بسوطه مع أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أقرّهنّ على البكاء . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « دعهنّ يبكين » ثمّ قال : « مهما يكن من القلب والعين فمن اللّه والرحمة » وقعد صلى الله عليه وآله وسلم على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ، فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يمسح دمعها بثوبه رحمة لها ( 1 ) .
شرح
وأنكر هذه الروايات أيضا ابن عبّاس واحتجّ على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما .
وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض ، حتّى أخرج الطبري في حوادث سنة 13 عند ذكر وفاة أبي بكر في الجزء الرابع من تاريخه « 1 » بالإسناد إلى سعيد بن المسيّب قال :
لمّا توفّي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطّاب حتّى قام ببابها فنهاهنّ عن البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، وقال عمر لهشام بن الوليد : ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة ، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : إنّي احرّج عليك بيتي ، فقال عمر لهشام : ادخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام فأخرج امّ فروة أخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة ، فضربها ضربات ، فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك . انتهى .
قلت : كأ نّه لم يعلم إقرار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نساء الأنصار على البكاء على موتاهنّ ، و [ لم ] يبلغه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « لكن حمزة لا بواكي له » . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « على مثل جعفر فلتبك البواكي » .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء » . ولعلّه نسي نهي ا لنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إيّاه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقيّة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسي نهيه إيّاه عن انتهارهنّ في مقام آخر .
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس في ص 335 من الجزء الأوّل من مسنده « 2 » .
هامش
( 1 ) - . تاريخ الطبري 423 : 3 ، حوادث سنة 13 .
( 2 ) - . مسند أحمد 717 : 1 ، ح 3103 .