شرح
فيها لنقلها عنها بعد ذلك ، فإنه وأشباهه هتك للمساجد عرفاً والهتك محرم كما مرّ وإنما الكلام فيما إذا لم يستلزم إدخال النجاسة في المسجد هتكه ولا تنجسه ، كما إذا جعل مقداراً من الدم أو البول في قارورة وسدّ رأسها ووضعها في جيبه حتى دخل المسجد فهل يحكم بحرمة إدخال النجاسة حينئذ ؟
نسب القول بذلك إلى المشهور واستدل عليها بوجهين :
أحدهما : النبوي « جنِّبوا مساجدكم النجاسة » ( 1 )( 1 ) قدّمنا مصدرها في ص 244 .لأنّ إدخال النجاسة فيها ينافي التجنب المأمور به . ويرد عليه أوّلًا : أنّ الرواية نبويّة ضعيفة السند كما أشرنا إليه سابقاً ، ولم يعمل المشهور بها حتى يتوهم انجبار ضعفها بذلك ، لأنّ كثيراً ممن ذهب إلى حرمة إدخال النجاسة في المسجد حمل المساجد في الرواية على مسجد الجبهة . وثانياً : أن الرواية قاصرة الدلالة على المدعى لأن النجاسة لها معنيان : أحدهما : الأعيان النجسة لصحة إطلاقها عليها من باب قولنا : زيد عدل ، فيقال : النجاسات اثنتا عشرة البول والغائط وهكذا . وثانيهما : المعنى المصدري وهو الوصف القائم بالجسم . والاستدلال بها إنما يتم فيما إذا كان للرواية ظهور في إرادة المعنى الأول ليكون معناها : جنبوا مساجدكم البول والدم وغيرهما من الأعيان النجسة ، ودون إثبات ذلك خرط القتاد ، حيث لا نرى في الرواية ظهوراً عرفياً في ذلك بوجه . ومن المحتمل أن يكون النجاسة بمعناها المصدري ومعه تدل على حرمة تنجيس المساجد ، وقد مرّ أنها مما لا تردد فيه بل هو أجنبي عما نحن بصدده أعني حرمة إدخال النجاسة في المسجد فيما إذا لم يستلزم هتكه ولا تنجيسه .
وثانيهما : قوله تعالى : * ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) * ( 2 )( 2 ) التوبة 9 : 28 .لأنّ الآية المباركة فرّعت حرمة قرب المشركين من المسجد الحرام على نجاستهم ، فظاهرها أن النجس لا يجوز أن يقرب المسجد ويدخله ، فكأنه عزّ من قائل قال : المشركون نجس وكل نجس لا يدخل المسجد الحرام ، وإذا ثبت حرمة إدخال النجاسة في