شرح
حيث إنّه حين الحكم بنجاسته يحكم بطهارته أيضاً لاتصاله بالمادّة ، وما هذا شأنه كيف يصدر عن الحكيم . وبهذه القرينة القطعية تدلَّنا الصحيحة على اعتصام ماء البئر مطلقاً كثيراً كان أم قليلًا وبعد ذلك نتعدّى منها إلى كل ما له مادّة لعموم تعليلها كما مرّ ، هذا كلَّه في المقام الأول .
وأمّا الكلام في المقام الثاني : فملخصه أن ما يحتمل أن يكون معارضاً لأدلَّة اعتصام الجاري ، هو مفهوم قوله ( عليه السلام ) : « الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجّسه شيء » ( 1 )( 1 ) الوسائل 1 : 158 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 1 ، 2 ، 5 ، وغيرها .، فإنّه دلّ بمفهومه على أن الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينفعل بالملاقاة مطلقاً سواء أكان جارياً أم لم يكن ، وقوله ( عليه السلام ) : كر ( 2 )( 2 ) وهي صحيحة إسماعيل بن جابر المروية في الوسائل 1 : 159 / أبواب الماء المطلق ب 9 ح 7 .في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شيء من النجاسات ، لأنّه صريح في أنّ غير الكر من المياه ينفعل بملاقاة البول وأمثاله من النجاسات ولو كان جارياً ، ولكن لا تعارض بينهما في الحقيقة وذلك لأن الوجهين المتقدمين في تقريب الاستدلال بالصحيحة يجعلان الصحيحة كالنص فتصير قرينة وبياناً بالإضافة إلى الروايتين المذكورتين ، حيث إنّهما حصرا علَّة الاعتصام في الكر ، والصحيحة دلَّت على عدم انحصارها فيه وبيّنت أن هناك علَّة أُخرى للاعتصام ، وهي الاستمداد من المادّة . وبهذا تتقدم الصحيحة على الروايتين ، ولا يبقى بينهما معارضة بالعموم من وجه حتى يحكم بتساقطهما والرجوع إلى عموم الفوق كالنبويّات التي بيّنّا ضعف سندها ، أو إلى قاعدة الطهارة أو يحكم بعدم تساقطهما والرجوع إلى المرجحات السندية على تفصيل في ذلك موكول إلى محلَّه .
ثم لو تنزلنا وبنينا على أنّهما متعارضان ، بأن قطعنا النظر عن ذيل الصحيحة واقتصرنا على صدرها وهو قوله ( عليه السلام ) : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء » يمكننا الاستدلال أيضاً بصدرها على طهارة ماء البئر على وجه الإطلاق ، فإنّ النسبة بينه وبين ما دلّ على انفعال القليل عموم من وجه ، لأن أدلَّة انفعال القليل تقتضي نجاسة القليل بالملاقاة جارياً كان أم غير جار ، وصدر الصحيحة يقتضي عدم نجاسة